أخرجكم علينا؟ قالوا حكومتكم يوم صفين؛ قال: أنشدكم الله , أتعلمون أنهم حين رفعوا المصاحف , وملتم بجنبهم , قلت لكم إني أعلم بالقوم منكم , إنهم ليسوا بأصحاب دين؟ وذكرهم مقالته.
ثم قال: وقد اشترطت على الحكمين: أن يحييا ما أحيا القرآن , ويميتا ما أمات القرآن , فإن حكما بحكم القرآن فليس لنا أن نخالفه , وإن أبيا فنحن من حكمهما برءاء , قالوا: فخبرنا , أتراه عدلًا تحكيم الرجال في الدماء؟ قال: إنا لسنا حكمنا الرجال , إنما حكمنا القرآن , إنما هو خط مسطور بين دفتين , وإنما يتكلم به الرجال.
قالوا: فخبرنا عن الأجل , لم جعلته بينكم؟ قال: ليعلم الجاهل , ويثبت العالم , ولعل الله يصلح في هذه الهدنة , هذه الأمة , فادخلوا مصركم رحمكم الله , فدخلوا من عند آخرهم.
فلما جاء الأجل , وأراد علي أن يبعث أبا موسى للحكومة , أتاه رجلان من الخوارج , زرعه بن البرج الطائي , وحرقوص بن زهير السعدي , فقالا له: لا حكم إلا لله؛ فقال علي: لا حكم إلا الله؛ وقالا تب ن خطيئتك , وارجع عن قضيتك , واخرج بنا إلى عدونا نقاتلهم , حتى نلقى الله ربنا , فقال علي: قد أردتكم على ذلك فعصيتموني: قد كتبنا بيننا وبين القوم كتابًا , وشرطنا شروطًا , وأعطينا عهودًا , وقد قال تعالى: {وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم} الآية [النحل: 91] .
فقال: (( حرقوص ) )ذلك ذنب ينبغي أن تتوب منه؛ قال علي: ما هو ذنب , ولكنه عجز من الرأي , وقد نهيتكم عنه؛ قال زرعة: يا علي لئن حكمت الرجال , لأقاتلنك أطلب وجه الله؛ فقال له علي: بؤسًا لك ما أشقاك , كأني بك قتيلًا تسفى عليك الرياح؛ قال: وددت لو كان ذلك؛ وخرجا من عنده , يقولان: لا حكم إلا الله.
وخطب علي ذات يوم , فقالوها في جوانب المسجد , فقال علي: الله أكبر حق أريد بها باطل؛ فوثب يزيد بن عاصم المحاربي، فقال: الحمد لله غير مودع ربنا , ولا مستغنى عنه , اللهم إنا نعوذ بك من إعطاء الدنية في ديننا , فإن إعطاء الدنية في الدين إدهان في أمر الله , وذل راجع بأهله إلى سخط الله؛ يا علي: أبالقتل تخوفنا؟ أما والله إني لأرجو أن نضر بكم بها عما قليل غير مصفحات , ثم لتعلم أينا أولى بها صليًا.
وخطب علي يومًا آخر , فقال رجال في المسجد: لا حكم إلا لله , يريدون بهذا إنكار المنكر على زعمهم؛ فقال علي: الله أكبر , كلمة حق أريد بها باطل , أما إن لكم علينا ثلاثًا ما صحبتمونا , لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسمه , ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيدكم مع أيدينا , ولا نقاتلكم حتى تبدؤونا , وإنا ننتظر فيكم أمر الله؛ ثم عاد إلى مكانه من الخطبة.
ثم إن الخوارج لقي بعضهم بعضًا , واجتمعوا في منزل عبد الله بن وهب الراسبي , فخطبهم وزهدهم في الدنيا , وأمرهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ ثم قال: اخرجوا بنا من هذه القرية الظالم أهلها , إلى بعض كهوف الجبال , أو إلى بعض هذه المدائن , منكرين لهذه البدع المضلة.