الصفحة 355 من 461

وبين عسكر عليَّ وقطعوا الطريق في إيابهم , بالتشاتم والتضارب بالسياط , تقول الخوارج: يا أعداء الله داهنتم في دين الله؛ ويقول الآخرون: فارقتم إمامنا , ومزقتم جماعتنا , ولم يزالوا كذلك حتى قدموا العراق , فقال بعض الناس من المتخلفين: ما صنع عليَّ شيئًا , ثم انصرف بغير شيء؛ فسمعها عليَّ , فقال: وجوه قوم ما رأوا الشام , ثم أنشد شعرًا:

أخوك الذي إن أجرضتك ملمة من الدهر لم يبرح ببابك واجما

وليس أخوك بالذي إن تشعبت عليك الأمور ظل يلحاك لائما

فلما دخل الكوفة , ذهبت إلى حروراء , فنزل بها اثنا عشر ألفًا على ما ذكره ابن جرير , ونادى مناديهم: إن أمير القتال شبث بن ربعي التميمي , وأمير الصلاة عبد الله بن الكواء , والأمر شورى بعد الفتح , والبيعة لله عزّ وجلّ , والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

فلما سمع علي ذلك وأصحابه , قامت إليه الشيعة , فقالوا له: في أعناقنا بيعة ثانية , ونحن أولياء من واليت , وأعداء من عاديت؛ قالت لهم الخوارج؛ أستبقتم أنتم وأهل الشام إلى الكفر , كفرسي رهان - أهل الشام بايعوا معاوية على ما أحب وأنتم بايعتم عليًا على أنكم أولياء من والى وأعداء من عادى - يريدون: أن البيعة لا تكون إلا على كتاب الله , وسنّة رسوله - صلى الله عليه وسلم - , لأن الطاعة له تعالى.

وقال لهم زياد بن النضر: والله ما بسط علي يده فبايعناه قط , إلا على كتاب الله وسنّة نبيه , ولكنكم لما خالفتموه جاءت شيعته , فقالوا: نحن أولياء من واليت , وأعداء من عاديت , ونحن كذلك , وهو على الحق والهدى , ومن خالفه ضالٌّ مضلٌّ.

وبعث علي رضي الله عنه: عبد الله بن عباس إلى الخوارج , فخرج إليهم فأقبلوا يكلمونه , فقال: نقمتم من الحكمين , وقد قال الله عزّ وجلّ: {فابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها} الآية [النساء: 35] فكيف بأمة محمد - صلى الله عليه وسلم -؟! قالوا له: ما جعل الله حكمه إلى الناس , وأمرهم بالنظر فيه , فهو إليهم , وما حكم فأمضى فليس للعباد أن ينظروا فيه , في الزنا مائة جلدة , وفي السرقة قطع , فليس للعباد أن ينظروا في هذا.

قال ابن عباس: فإن الله تعالى يقول: {يحكم به ذوا عدل منكم} الآية [المائدة: 95] قالوا: تجعل الحكم في الصيد , والحرث , وبين المرأة وزوجها , كالحكم في دماء المسلمين؟ وقالوا له: أعدل عندك عمرو بن العاص , وهو بالأمس يقاتلنا؟ فإن كان عدلًا فلسنا بعدول , وقد حكمتم في أمر الله الرجال؛ قد أمضى الله حكمه في معاوية وأصحابه , أن يقتلوا أو يرجعوا , وقد كتبتم بينكم وبينهم كتابًا , وجعلتم بينكم وبينهم الموادعة , وقد قطع الله الموادعة بين المسلمين وأهل الحرب , منذ نزلت براءة , إلا من أقر بالجزية.

فجاء علي وابن عباس يخاصمهم , فقال: إني نهيتك عن كلامهم حتى آتيك , ثم تكلم رضي الله عنه , فقال: اللهم هذا مقام من يفلج فيه , كان أولى بالفلج يوم القيامة؛ وقال لهم: من زعيمكم؟ قالوا: ابن الكواء , فقال: فما

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت