ورد علينا منك رسالة , تطلب فيها أن نكتب لك قصة الخوارج مستوفاة , من حين خروجهم على علي رضي الله عنه , إلى آخر ما كان من أمرهم؛ فقد ذكر ذلك شيخنا , الشيخ: عبد اللطيف , في رده على داود بن جرجيس , وهذا نص ما ذكر , وبه الكفاية.
قال رحمه الله: إنه لما اشتد القتال يوم صفين , قال عمرو بن العاص , لمعاوية بن أبي سفيان , هل لك في أمر أعرضه عليك , لا يزيدنا إلا اجتماعًا ولا يزيدهم إلا فرقة؟ قال: نعم؛ قال: نرفع المصاحف , ثم نقول لما فيها: (( هذا حكم بيننا وبينكم ) )فإن أبى بعضهم أن يقبلها , رأيت فيهم من ينبغي لنا أن نقبلها , فتكون فرقة فيهم , فإن قبلوا , رفعنا القتال عنا إلى أجل.
فرفعوا المصاحف بالرماح , قالوا: هذا كتاب الله بيننا وبينكم؛ من لثغور الشام بعد أهله؟ من لثغور العراق بعد أهله؟ فلما رآها الناس , قالوا: نجيب إلى كتاب الله.
فقال لهم علي: عباد الله , امضوا على حقكم وصدقكم , فإنهم ليسوا بأصحاب دين , ولا قرآن , أنا أعلم بهم منكم , والله ما رفعوها إلا خديعة , ووهنا ومكيدة؛ قالوا: لا يسعنا أن ندعى كتاب الله فنأبى أن نقبله؛ وقال لهم علي: إنما أقاتلهم ليدينوا بحكم الكتاب , فإنهم قد عصوا الله ونسوا عهده.
قال له مسعر بن فدكي التميمي , وزيد بن حصين الطائي , في عصابة من القراء: يا علي: أجب إلى كتاب الله إذا دعيت إليه , وإلا دفعناك برمتك إلى القوم , أو نفعل بك كما فعلنا بابن عفان؛ فلم يزالوا به حتى نهى الناس عن القتال.
ووقع السباب بينهم وبين الأشتر وغيره , ممن يرى عدم التحكيم , فقال الناس: قد قبلنا أن نجعل القرآن بيننا وبينهم حكمًا.
فجاء الأشعث بن قيس إلى علي , فقال: إن الناس قد رضوا بما دعوهم إليه من حكم القرآن , إن شئت أتيت معاوية , قال علي: ائته.
فأتاه فقال: لأي شيء رفعوا المصاحف؟ قال: لنرجع نحن وأنتم إلى ما أمر الله به في كتابه؛ تبعثون رجلًا ترضون به , ونبعث رجلًا نرضى به , فنأخذ عليهما أن يعملا بما في كتاب الله , لا يعدوانه , فعاد إلى علي فأخبره , قال الناس قد رضينا.
قال أهل الشام: رضينا عمرو بن العاص , وقال الأشعث , أولئك القوم الذين صاروا خوارج: رضينا بأبي موسى الأشعري , فروادهم على غيره , وأراد ابن عباس , قالوا: والله لا نبالي , أنت كنت حكمها , أم ابن عباس , ولا نرضى إلا رجلًا منك , ومن معاوية سواء؛ وأبوا غير أبي موسى , فوافقهم علي كرهًا , وكتب كتاب التحكيم.
فلما قرئ على الناس , سمعه عروة بن أمية أخو أبي بلال , قال: تحكمون في أمر الله الرجال , لا حكم إلا لله , وشد بسيفه فضرب دابة من قرأ الكتاب , وكان ذلك أول ما ظهر الحرورية (( الخوارج ) )وفشت العداوة بينهم