وأتاهم علي رضي الله عنه , فقال: أيتها العصابة , التي أخرجها عداوة المراء واللجاجة , وصدها عن الحق الهوى , وطمح بها النزق , وأصبحت في الخطب العظيم , إنني نذير لكم: أن تصبحوا تلعنكم الأمة غدًا صرعى , بأثناء هذا النهر , وبأهضاب هذا الغائط , بغير بينة من ربكم , ولا برهان.
ألم تعلموا أني نهيتكم عن الحكومة , ونباتكم أنها مكيدة , وأن القوم ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن , فعصيتموني , فلما فعلتم: أخذت على الحكمين , واستوثقت أن يحييا ما أحيا القرآن , ويميتا ما أمات القرآن , فاختلفا , وخالفا حكم الكتاب , فنبذنا أمرهم , فنحن على الأمر الأول , فمن أين أتيتم؟.
قالوا: إنا حكمنا فلما حكمنا أثمنا , وكنا بذلك كافرين , وقد تبنا , فإن تبت فنحن معك ومنك , فإن أبيت فإنا منابذوك على سواء.
قال علي: أصابكم حاصب , ولا بقي منكم دابر؛ بعد إيماني برسول الله - صلى الله عليه وسلم - , وهجرتي نعه , وجهادي في سبيل الله , أشهد على نفسي بالكفر؟ لقد ضللت إذًا وما أنا من المهتدين.
وقيل: كان من كلامه - يا هؤلاء , إن أنفسكم قد سولت لكم فراقي بهذه الحكومة , التي ابتدأتموها وسألتموها , وأنا لها كاره , وأنبأتكم أن القوم إنما طلبوها مكيدة , ووهنًا , فأبيتم عليَّ إباء المخالفين , وعندتم عليَّ عنود النكداء العاصين , حتى صرفت رأيي إلى رأيكم , رأي معاشر , والله أخفّاء الهام , سفهاء الأحلام , فما آتى لا أبالكم هجرًا؟!.
والله ما حلت عن أموركم , ولا أخفيت شيئًا من هذا الأمر عنكم , ولا أوطأتكم عشوى , ولا أدنيت لكم ضرًا , وإن كان أمرنا لأمر المسلمين ظاهرًا فأجمع رأي ملئكم: أن اختاروا رجلين , فأخذنا عليهما أن يحكما بالحق , ولا يعدوانه , فتركا الحق وهما يبصرانه , وكان الجور هواهما , والتقية دينهما , حتى خالفا سبيل الحق , وأتيا بما لا يعرف.
فبينوا لنا بم تستحلون قتالنا؟ والخروج عن جماعتنا , وتصفون سيوفكم على عواتقكم , ثم تستعرضون الناس تضربون رقابهم؟ إن هذا هو الخسران المبين؛ والله لئن قتلتم على هذا دجاجة , لعظم عند الله قتلها , فكيف بالنفس التي قتلها عند الله حرام؟! فتنادوا: أن لا تخاطبوهم ولا تكلموهم , وتهيئوا للقاء الله الرواح , الرواح , إلى الجنة , فرجع عليٌّ عنهم.
ثم إنهم قصدوا جسر النهر , فظن الناس أنهم عبروه , فقال علي: لم يعبروه , وإن مصارعهم لدون النهر , والله لا يقتلون منكم عشرة , ولا يسلم منهم عشرة , فتعبأ الفريقان للقتال , فناداهم أبو أيوب فقال: من جاء هذه الراية فهو آمن , ومن انصرف إلى الكوفة أو إلى المدائن , وخرج من هذه الجماعة , فهو آمن , فانصرف فروة بن نوفل الأشجعي , في خمسمائة فارس , وخرجت طائفة أخرى متفرقين.