الصفحة 361 من 461

فبقي مع عبد الله بن وهب ألف وثمان مائة , فزحفوا إلى علي , وبدؤوه بالقتال , وتنادوا: الرواح الرواح إلى الجنة , فاستقبلت الرماة من جيش علي , بالنبل والرماح والسيوف , ثم عطفت عليهم الخيل , من الميمنة والميسرة , وعليها أبو أيوب الأنصاري , وعلى الرجالة أبو قتادة الأنصاري , فلما عطفت عليهم الخيل والرجال , وتداعى عليهم الناس , ما لبثوا أن أناموهم فماتوا في ساعة واحدة , فكأنما قيل لهم موتوا فماتوا.

وقتل ابن وهب , وحرقوص , وسائر سراتهم , وفتش عليٌّ في القتلى , والتمس المخدَّج , الذي وصفه النبي - صلى الله عليه وسلم -

في حديث الخوارج , فوجده في حفرة على شاطئ النهر , فنظر إلى عضده , فإذا لحم مجتمع كثدي المرأة , وحلمتهِ عليها شعراتٌ سود , فإذا مدت امتدت حتى تحاذى يده الطولى , فلما رآها , قال: الله أكبر , والله ما كَذَبت , ولا كُذِبت , والله لولا أن تنكلوا عن العمل , لأخبرتكم بما قضى الله على لسان نبيه - صلى الله عليه وسلم - , لمن قاتلهم متبصرًا في قتالهم , عارفًا للحق الذي نحن عليه.

وقال حين مر بهم صرعى: بؤسًا لكم , لقد ضركم من غركم , قالوا: يا أمير المؤمنين , من غرهم؟ قال: الشيطان , نفس أمارة بالسوء , غرتهم بالأماني , وزيَّنَتْ لهم المعاصي , ونبأهم أنهم ظاهرون.

هذا ملخص أمرهم , وقد عرفت شبهتهم , التي جزموا لأجلها بكفر علي , وشيعته , ومعاوية وأصحابه , وبقي معتقدهم في أناس متفرقين , بعد هذه الوقعة , وصار غلاتهم يكفرون بالذنوب , ثم اجتمعت لهم شوكة ودولة , فقاتلهم المهلب بن أبي صفرة , وقاتلهم الحجاج بن يوسف , وقاتلهم قبله ابن الزبير زمن أخيه عبد الله , وشاع عنهم التكفير بالذنوب , يعني ما دون الشرك , انتهى ما ذكره شيخنا.

فتأمل رحمك الله: ما في هذه القصة من الأمور , التي خاطبوا بها أمير المؤمنين , علي بن أبي طالب رضي الله عنه , وما أجابهم به , فمن نصح نفسه وأراد نجاتها , فليتأمل ما في كلامهم من إرادة الخير , وطلبه والعمل به , والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , وأنهم ما فعلوا ذلك إلا ابتغاء رضوان الله.

ولكن: لما كان هذا منهم غلوا في الدين , ومجاوزة للحد الذي أمروا به , حتى كفروا معاوية رضي الله عنه , ومن معه من الصحابة , والتابعين , وكفروا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه , ومن معه من أفاضل الصحابة والتابعين , لما وافقهم في تحكيم الحكمين.

ثم زعموا: أن تحكيم الرجال في دين الله كفر يخرج من الملة , وأنهم قد أثموا بذلك وكفروا , قتابوا من هذا الأمر , وقالوا لعلي إن تبت فنحن معك ومنك , وإن أبيت , فإنا منابذوك على سواء.

فإذا تبين لك: أن ما فعلوه إنما هو إحسان ظن بقرائهم , الذين غلوا في الدين , وتجاوزا الحد في الأوامر والنواهي , وأساؤوا الظن بعلماء الصحابة , الذين هم أبر هذه الأمة قلوبًا , وأعمقها علمًا , وأقلها تكلفًا , قوم اختارهم الله لصحبته نبيه , ولإظهار دينه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت