الصفحة 362 من 461

فلما لم يعرفوا لهم فضلهم , ولم يهتدوا بهديهم , ضلوا عن الصراط المستقيم , الذي كان عليه أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وزعموا أنهم داهنوا في الدين , والذي حملهم على ذلك أخذهم بظواهر النصوص في الوعيد , ولم يهتدوا لمعانيها وما دلت عليه , فوضعوها في غير مواضعها , وسلكوا طريقة التشديد , والتعسير والضيق , وتركوا ما وسع الله لهم , من التيسير الذي أمر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقوله: (( إنما بعثتم ميسيرين , ولم تبعثوا معسرين ) ).

ولهذا كان أمير المؤمنين: علي رضي الله عنه , يسير فيهم بهذه الطريقة , ويناصحهم لله وفي الله , ويتلطف لهم في القول , لعل الله أن يقبل بقلوبهم , وأن يرجعوا إلى ما كانوا عليه أولًا؛ ويراجعهم المرة بعد المرة , كما قاله في خطبته إياهم لما خطبهم , فقالوا: لا حكم إلا لله , يريدون بهذا إنكار المنكر , على زعمهم.

فقال علي: الله أكبر , كلمة حق أريد بها باطل , أما إن لكم علينا ثلاثًا , ما صحبتونا: لا نمنعكم مساجد الله أن يذكر فيها اسمه , ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيدكم مع أيدينا , ولا نقاتلكم حتى تبدؤونا , وإنا ننتظر فيكم أمر الله.

ولما قيل له: يا أمير المؤمنين , أكفارهم؟ قال من الكفر فروا؛ فقالوا: أفمنافقون هم؟ قال: إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلًا , وهؤلاء يذكرون الله كثيرًا؛ قالوا: فما هم؟ قال: إخواننا بغوا علينا.

فهذه سيرته رضي الله عنه , مع هؤلاء المبتدعة الضلال , مع قوله لأصحابه: والله لولا أن تنكلوا عن العمل , لخبرتكم بما قضى الله على لسان نبيه - صلى الله عليه وسلم - لمن قاتلهم متبصرًا في قتالهم , عارفًا للحق الذي نحن عليه , ومع علمه بقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيهم (يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرَّمَيَّة , ثم لا يرجعون إليه حتى يرجع السهم إلى فُوقِهِ ) ) ومع قوله - صلى الله عليه وسلم - فيهم: (( أينما لقيتموهم فاقتلوهم , لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد ) )مع كونهم من أكثر عبادة وتهليلًا , حتى إن الصحابة يحقرون أنفسهم عندهم , وهم إنما تعلموا العلم من الصحابة.

فعلى من نصح نفسه , وأراد نجاتها: أن يعرف طريقة هؤلاء القوم , وأن يجتنبها , ولا يغتر بكثرة صلاتهم , وصيامهم وقراءتهم , وزهدهم في الدنيا , وأن يعرف سيرة أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما كانوا عليه من الهدى ودين الحق , الذي فضلوا به على من بعدهم , وعدم تكلفهم في الأقوال والأفعال , لعله أن يسلم من ورطات هؤلاء الضلال , والله يقول الحق وهو يهدي السبيل , وصلى الله على محمد.

سئل الشيخ: حمد بن ناصر بن معمر , إذ التقى فئتان من المسلمين , وقتل رجل من إحدهما , وعلم قاتله بعينه , ورضوا بالدية , فهل تكون على القاتل؟ أم تكون على جميع الطائفة؟.

فأجاب: إذا طائفتان لعصبية أو رياسة , ونحو ذلك , فهما ظالمتان , وتضمن كل واحدة ما أتلفت على الأخرى , صرح بذلك في الشرح الكبير , والإنصاف , والإقناع , والشيخ تقي الدين في السياسة الشرعية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت