الصفحة 376 من 461

فيالله العجب , إذا كنتم تخفون توحيدكم في بلادهم , ولا تقدرون أن تصرحوا بدينكم , وتخافتون بصلاتكم , لأنكم علمتم عداوتهم لهذا الدين , وبغضهم لمن دان به , فكيف يقع لعاقل إشكال؟ أرأيتم لو قال رجل منكم لمن يدعو الكعبة , أو المقام , أو الحطيم , أو يدعو الرسول , أو الصحابة , يا هذا: لا تدع غير الله , أو أنت مشرك , هل تراهم يسامحونه؟ أم يكيدونه؟ فليعلم المجادل: أنهم ليسوا على توحيد الله؛ فوالله ما عرف التوحيد , ولا تحقق بدين الرسول - صلى الله عليه وسلم -.

أرأيت لو أن رجلًا عندهم , وقال يا هؤلاء: راجعوا دينكم , واهدموا البنايات التي على القبور , ولا يحل دعاء غير الله , هل يكفيهم فيه فعل قريش بمحمد - صلى الله عليه وسلم -؟ لا والله لا والله؛ وإذا كانت الدار إسلام , لأي لم تدعوهم إلى الإسلام؟ وتأمرهم بهدم القباب , واجتناب الشرك وتوابعه؟ فإن يكن قد غركم أنهم يصلون , أو يحجون , فتأملوا الأمر من أوله؛ وهو: إبراهيم الخليل , عليهما السلام , ومكث أهل مكة عليه مدة من الزمان , ثم إنه فشا فيهم الشرك , بسبب عمرو بن لحى , فصاروا مشركين , وصارت البلاد بلاد شرك , مع أنه قد بقي معهم أشياء من الدين , كما كانوا يحجون , ويصدقون على الحاج.

وقد بلغكم شعر عبد المطلب , الذي أخلص فيه في قصة الفيل , وغير ذلك من البقايا , ولم يمنع ذلك الزمان من تكفيرهم وعداوتهم , بل الظاهر عندنا وعند غيرنا: أن شركهم اليوم أعظم من ذلك الزمان , بل قبل هذا كله , أنه مكث أهل الأرض عشرة قرون على التوحيد , حتى حدث فيهم الغلو في الصالحين , فدعوهم مع الله فكفروا , فبعث الله إليهم نوحًا عليه السلام , يدعوهم إلى التوحيد؛ فتأمل ما قص الله عنهم؛ وكذلك ما ذكر الله عن هود: أنه دعاهم إلى إخلاص العبادة لله , لأنهم لم ينازعوه في أصل العبادة , وكذلك إبراهيم , دعا قومه إلى إخلاص التوحيد؛ وإلا فقد أقروا لله بالإلهية.

وجماع الأمر: أنه إذا ظهر في بلد دعاء غير الله وتوابع ذلك , واستمر أهلها عليه , وقاتلوا عليه , وتقررت عندهم عداوة أهل التوحيد , وأبو عن الانقياد للدين , فكيف لا يحكم عليها بأنها بلد كفر؟ ولو كانوا لا ينتسبون لأهل الكفر , وأنهم منهم بريئون؛ من أهل مكة أو غيرهم , مع مسبتهم لأهل التوحيد , وتخطيئتهم لمن دان به , والحكم عليهم بأنهم خوارج أو كفار , فكيف إذا كانت هذه الأشياء كلها موجودة؟ فهذه مسألة عامة.

وأما القضايا الجزئية , فنقول: قد دل القرآن والسنّة , على أن المسلم إذا حصلت منه موالاة أهل الشرك , والانقياد لهم , ارتد بذلك عن دينه , تأمل قوله تعالى: {إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم} [محمد: 25] مع قوله: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم} [المائدة: 51] وأمعن النظر في قوله تعالى.

{فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذًا مثلهم} [النساء: 140] وأدلته كثيرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت