الصفحة 375 من 461

وتأمل قوله تعالى: {قل يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم وأمرت أن أكون من المؤمنين * وأن أقم وجهك للدين حنيفًا ولا تكونن من المشركين} [يونس: 104 - 105] فهل سمعت الله يأمر نبيه أن يقول لهم: إني بريء من دينهم؟ وأنه أمره أن يكون من المؤمنين الذين هم أعداؤهم؟ ونهاه أن يكون من المشركين , الذين هم أولياؤهم وحزبهم؟

وفي القرآن آيات كثيرة , مثل ما ذكر الله عن خليله , والذين معه {إذ قالوا لقومهم إنا برءاؤا منكم ومما تعبدون من دون الله} الآية [الممتحنة: 4] فأمرنا الله بالتأسي بهم قولًا وفعلًا , وقصدي أنبهك خوفًا من المواخاة على غير طائل في الدين , أعاذنا الله وإياك من مضلات الفتن.

وقال أيضًا: رحمه الله , لمن ناظره في أهل مكة {سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم} [البقرة: 32] جرت المذاكرة في كون مكة بلد كفر , أم بلد إسلام؛ فنقول وبالله التوفيق: قد بعث الله محمدًا - صلى الله عليه وسلم - بالتوحيد الذي هو دين جميع الرسل , وحقيقته هو مضمون شهادة أن لا إله إلا الله , وهو أن يكون الله معبود الخلائق فلا يتعبدون لغيره بنوع من أنواع العبادة؛ ومخ العبادة هو الدعاء , ومنها الخوف والرجاء , والتوكل والإنابة , والفزع , والصلاة , وأنواع العبادة كثير , وهذا الأصل العظيم , الذي هو شرط في صحة كل عمل.

والأصل الثاني: هو طاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - في أمره , وتحكيمه في دقيق الأمور وجليلها , وتعظيم شرعه ودينه , والإذعان لأحكامه في أصول الدين وفروعه؛ فالأول ينافي الشرك , ولا يصح مع وجوده؛ والثاني: ينافي البدع , ولا يستقيم مع حدوثها؛ فإذا تحقق وجود هذين الأصلين، علمًا وعملًا ودعوة , وكان هذا دين أهل البلد , أي بلد كان , بأن عملوا به , ودعوا إليه , وكانوا أولياء لمن دان به , ومعادين لمن خالفه , فهم موحدون.

وأما إذا كان الشرك فاشيًا , مثل دعاء الكعبة والمقام والحطيم، ودعاء الأنبياء والصالحين , وإفشاء توابع الشرك , مثل الزنا والربا , وأنواع الظلم , ونبذت السنة وراء الظهر , وفشت البدع والضلالات , وصار التحاكم إلى الأئمة الظلمة , ونواب المشركين , وصارت الدعوة إلى غير القرآن والسنّة , وصار هذا معلومًا في أي بلد كان؛ فلا يشك من له أدنى علم: أن هذه البلاد , محكوم عليها بأنها بلاد كفر , وشرك؛ لاسيما إذا كانوا معادين لأهل التوحيد , وساعتين في إزالة ومعنيين في تخريب بلاد الإسلام؛ وإذا أردت إقامة الدليل على ذلك , وجدت القرآن كله فيه؛ وقد أجمع عليه العلماء , فهو معلوم بالضرورة عند كل عالم.

وأما قول القائل: ما ذكرتم من الشرك , إنما هو من أفقية لا من أهل البلد؛ فيقال: أولًا هذه إما مكابرة , أو عدم علم بالواقع , فمن المقرر: أن أهل الآفاق تبع لأهل تلك البلاد , في دعاء الكعبة والمقام والحطيم , كما يسمعه كل سامع , ويعرفه كل موحد؛ ويقال ثانيًا: إذا الذي فرق في ذلك؟!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت