ثم لما وقع التقصير منهم , في أشياء دون ما نحن فيه اليوم , حل بهم ما حل , مما نرجو أنه كفارة لهم , وتمحيص , ومحق لأعدائهم , فعاد نجد إلى قريب من حالته الأولى , بسبب ارتكاب بعض المحرمات.
ثم إن الله تعالى منّ بتجديد الدعوة , وقام بنصرها جدك تركي , وجدك فيصل , جزاهما الله عن الإسلام والمسلمين خيرًا , ولهما من السيرة المحمودة , وتقديم الشرع , وترك الظلم والتعدي , وإقامة العدل ما لا يحتاج إلى شرح.
ثم لما توفي جدك فيصل رحمه الله تعالى , وحصل ما حصل , انحلت عرى هذه الولاية , ووقع بأهل نجد ما لا يخفى عليك.
ثم إن الله تعالى: منّ بولايتك , وحصل بها من الإقبال والنصر للمسلمين , وقمع عدوهم , ما هو من أعظم نعم الله عليهم وعليك؛ ولم يزل الله بفضله يرقيك من حالة إلى حالة , وإمامك في هذا كله: الكتاب والسنّة , والعدل في الرعية , فاستتب لك الأمر , وأعلاك الله , ونصرك على من ناواك.
ثم آليت بك الحال - هداك الله , وأخذ بناصيتك - إلى الوقوع في أمور كثيرة , هي من أسباب زوال تلك النعمة , ومن موجبات التغيير وحلول النقمة {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} [الرعد: 11] .
منها: إلزام الناس أن يظلم بعضهم بعضًا , وأن ترفض الطريقة النبوية , الجارية في أسواق المسلمين , وبياعاتهم , وأن يقام فيها القانون , المضارع لقوانين الكفار , الجارية في أسواقهم , فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وذلك هو إلزامكم بحجر الناس , على مقدار من السعر في الصرف , لا يزيد ولا ينقص , وهذا من أعظم الفساد في الأرض , والتعاون على الإثم والعدوان , وأكل الناس بعضهم أموال بعض بالباطل؛ والحجة في ذلك: ما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من حديث أنس , وحديث أبي هريرة , وغيرهما من الأحاديث.
قال مجد الدين: ابن تيمية في كتابه (( منتقى الأخبار ) )باب النهي عن التسعير , عن أنس قال: غلا السعر على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , فقالوا يا رسول الله لو سعرت لنا , فقال: (( إن الله هو القابض الباسط الرازق المسعر , وإني لأرجو أن ألقى الله عزّ وجلّ , ولا يطلبني أحد بمظلمة ظلمتها إياه في دم ولا مال ) )رواه الخمسة إلا النسائي , صححه الترمذي , انتهى.
قال شارحه: وفي الباب عن أبي هريرة عند أحمد , وأبي داود , قال: جاء رجل , فقال: يا رسول الله سعر , فقال: (( بل أدعوا الله ) )ثم جاء آخر , فقال: يا رسول الله سعر , فقال: (( بل الله يخفض ويرفع ) )قال الحافظ وإسناده حسن؛ وعن أبي سعيد , عند ابن ماجه , والبزار , والطبراني نحو حديث أنس , ورجاله رجال الصحيح , وحسنه الحافظ؛ وعن علي رضي الله عنه , عند أبي جحيفة عنده في الكبير , انتهى.
وهذا هو قول أهل العلم , كالإمام أبي حنيفة , والإمام مالك , والإمام الشافعي , والإمام أحمد , وغيرهم رحمهم الله تعالى؛ قال الوزير أبو المظفر ابن هبيرة , في كتابه (( الإفصاح ) )باب التسعير والاحتكار؛ اتفقوا: على كراهة التسعير , وأنه لا يجوز , انتهى.