فغطَّ حتى ركض برجله الأرض , فقالت اللهم إن يمت يقال هي قتلته , فأرسل في الثانية , والثالثة , وكلما غط قامت إلى الصلاة والدعاء.
ثم بعد ذلك , قال: والله ما أرسلتم إليَّ إلا شيطانه , ارجعوها إلى إبراهيم , وأعطوها هاجر , فرجعت إلى إبراهيم , فقالت: أشعرت أن الله كبت يد الفاجر , وأخدم وليدة )) وكان إبراهيم عليه السلام بأرض العراق , وبعد ما جرى عليه من قومه ما جرى , هاجر إلى الشام واستوطنها إلى أن مات فيها.
وأعطته سارَّةُ الجاريةَ التي أعطاها الجبار , فواقعها , فولدت له إسماعيل عليه السلام , فغارت سارة من الجارية التي أعطتها إبراهيم , فأمره الله بإبعادها عنها , فذهب بها وابنها فأسكنها مكة؛ ثم بعد ذلك وهب الله له , ولسارة إسحاق عليه السلام , كما ذكر الله سبحانه بشارة الملائكة له ولها {بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَاء إِسْحَقَ يَعْقُوبَ} [هود: 71] .
وفي الصحيح: عن ابن عباس , قال: (( لما كان بين إبراهيم وأهله ما كان , خرج بإسماعيل وأم إسماعيل , ومعه شنة فيها ماء , فجعلت أم إسماعيل تشرب من الشنة , فيدر لبنها على صبيها , حتى قدم مكة فوضعها تحت دوحة , فوق زمزم , في أعلى المسجد , وليس بمكة يومئذٍ أحد , وليس بها ماء , ووضع عندها جرابًا فيه تمر , وسقاء فيه ماء.
ثم قفى إبراهيم منطلقًا , فتبعته أم إسماعيل , فلما بلغ كداء , نادته من وراءه يا إبراهيم: أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي , الذي ليس به أنيس ولا شيء؟ فقالت ذلك مرارًا , وهو لا يلتفت إليها , فقالت: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم؛ قالت: إذًا لا يضيعنا )) وفي لفظ (( إلى من تكلنا؟ قال: إلى الله؛ قالت: رضيت بالله , ثم رجعت.
فانطلق إبراهيم , حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه , استقبل بوجهه البيت , ثم دعا بهؤلاء الدعوات , ورفع يديه , فقال: {رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} [إبراهيم: 37] وجعلت أم إسماعيل ترضعه , وتشرب من الشنة , فيدر لبنها على صبيها , حتى إذا نفذ ما في السقاء , عطشت وعطش ابنها , وجعلت تنظر إليه يتلوى.
فانطلقت كراهية ن تنظر إليه , فوجدت الصفا أقرب جبل إليها , فقامت عليه واستقبلت الوادي , تنظر هل ترى أحدًا , فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي , رفعت طرف درعها , ثم سعت سعي الإنسان المجهود , حتى جاوزت الوادي , ثم أتت المروة , فقامت عليها ونظرت , هل ترى أحدًا , فلم ترَ أحدًا , ففعلت ذلك سبع مرات )) قال ابن عباس قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (( فلذلك سعى الناس بينهما ) ).