الصفحة 422 من 461

إذا فهمت هذا , فاعلم: أن كثيرًا من الرسل وأممهم , لا نعرفهم , لأن الله لم يخبرنا عنهم , كما قال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ} [غافر: 78] لكن أخبرنا عن عاد التي لم يخلق مثلها في البلاد , فبعث الله إليهم هودًا عليه السلام , فكان من أمرهم ما قص الله في كتابه , ثم بعدهم ثمود الذين جابوا الصخر بالواد , فبعث الله علينا في كتابه , وبقي التوحيد في أصحاب هود إلى أن عدم بعد مدة لا ندري ما هي , وبقي في أصحاب صالح , ثم عدم بعد مدة لا ندري كم هي.

ثم بعث الله إبراهيم عليه السلام , وليس على وجه الأرض يومئذٍ مسلم إلا هو , فجرى عليه من قومه ما جرى , وآمنت به امرأته سارة , ثم آمن له لوط عليه السلام , ومع هذا نصره الله ورفع قدره , وجعله إمامًا للناس.

ومنذ ظهر إبراهيم عليه السلام , لم يعدم التوحيد في ذريته , كما قال تعالى: {وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الزخرف: 28] فإذا كان هو الإمام , فنذكر شيئًا من أحواله , لا يستغنى مسلم عن معرفتها , فنقول: في الصحيحين , أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (( لم يكذب إبراهيم عليه السلام قط , إلا ثلاث كذبات , اثنتين في ذات الله , قوله: {إِنِّي سَقِيمٌ} [الصافات: 89] وقوله: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} [الأنبياء: 63] .

وواحدة في شأن سارة , فإنه قدم أرض جبار ومعه سارة , وكانت أحسن النساء , فقال لها: إن هذا جبار , إن يعلم أنك امرأتي يغلبني عليك , فإن سألك فأخبريه أنك أختي في الإسلام , فإني لا أعلم في الأرض مسلمًا غيري وغيرك.

فلما دخل أرضه , رآها بعض أهل الجبار , فأتاه فقال: لقد قدم أرضك امرأة لا ينبغي أن تكون إلا لك , فأرسل إليها الجبار , فأتى بها فقام إبراهيم يصلي , فلما دخلت عليه , لم يتمالك أن بسط يده إليها , فقبضت يده قبضة شديدة , قال لها: ادعى الله أن يطلق يدي , فلك الله لا أضرك , ففعلت , فعاد فقبضت قبضة أشد من القبضة الأولى , فقال لها مثل ذلك , فعاد فقبضت أشد من القبضتين الأوليين , فقال لها ادعى الله أن يطلق يدي , فلك الله لا أضرك , ففعلت فأطلقت يده.

ودعا الذي جاء بها , فقال له إنما جئتني بشيطان , ولم تأتني بإنسان , فأخرجها من أرضي , وأعطاها هاجر , فأقبلت , فلما رآها إبراهيم انصرف , وقال لها: مهيم؟ قالت: خيرًا , كفى الله كيد الفاجر , وأخدم خادمًا )) قال أبو هريرة: تلك أمكم يا بني ماء السماء.

وللبخاري (( أن إبراهيم لما سئل عنها , قال: هي أختي , ثم رجع إليها , فقال: لا تكذبين حديثي , فإني أخبرتهم أنك أختي , فوالله ما على الأرض مؤمن غيري وغيرك , فأرسل بها إليه , فقام إليها , فقامت توضأ وتصلي , فقالت اللهم إن كنت آمنت بك وبرسولك , وأحصنت فرجي إلا على زوجي , فلا تسلط عليَّ يدَ هذا الكافر ,

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت