, يأمرونهم وينهونهم , فماتوا في شهر , فخاف أصحابهم من نقص الدين بعدهم , فصوروا صورهم , فصوروا صورة لكل رجل في مجلسه , لأجل التذكرة بأقوالهم , وأعمالهم إذا رأوا صورهم , ولم يعبدوهم.
ثم حدث قرن آخر , فعظموهم أشد تعظيمًا من الذين قبلهم ولم يعبدوهم , ثم طال الزمان ومات أهل العلم , فلما خلت الأرض من العلماء , ألقى الشيطان في قلوب الجهال: إن أولئك الصالحين ما صوروا مسائخم , إلا ليشفعوا لهم إلى الله عزّ وجلّ , فعبدوهم.
فلما فعلوا ذلك: أرسل الله إليهم نوحًا عليه السلام , ليردوهم على دين أبيهم آدم عليه السلام , وذريته الذين مضوا قبل التبديل , فكان من أمرهم ما قص الله في كتابه.
ثم عمر نوح وأهل السفينة الأرض , وبارك الله فيهم , وانتشروا في الأرض أممًا , وبقوا على الإسلام مدة لا ندري ما قدروها , ثم حدث الشرك , فأرسل الله الرسل , وما من أمة إلا ويبعث الله فيهم رسولًا , يأمرهم بالتوحيد , وينهاهم عن الشرك , كما قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36] .
وقال تعالى: {ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا كُلَّ مَا جَاء أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُم بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِّقَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ} [المؤمنون: 44] .
وقال: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ} [غافر: 78] .
ولما ذكر الله القصص في سورة الشعراء , ختم كل قصة بقوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ} فقص الله ما قص في القرآن من القصص لأجلنا , كما قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [يوسف: 111] .
ولما أنكر الله على أناس من هذه الأمة , في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - أشياء فعلوها , قال: {أَلَمْ يَاتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وِأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ} [التوبة: 70] وكذلك كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقص على أصحابه قصص من قبلهم , ليعتبروا بذلك.
وكذلك أهل العلم , في نقلهم سيرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما جرى له مع قومه , وما قال لهم , وما قبل له؛ وكذلك نقلهم سيرة أصحابه , وما جرى لهم مع الكفار والمنافقين , وذكرهم أحوالهم وأقوالهم , وأحوال العلماء بعدهم , كل ذلك لأجل معرفة الخير والشر.
العلماء بعدهم , كل ذلك لأجل معرفة الخير والشر.