قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَاتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * وَالَّذِينَ كَفَروا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة: 38 - 39] .
وفي الآية الأخرى: {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا} إلى قوله {وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى} [طه 123 - 127] .
وهداه الذي وعدنا به: إرسال الرسل , وإنزال الكتب , وقد وفى بما وعد سبحانه , فأرسل مبشرين ومنذرين , لئلا يكون للناس على الله بعد الرسل , فأولهم نوح عليه السلام , وآخرهم نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -.
فاحرص يا عبد الله , على معرفة هذا الحبل الذي بين الله وبين عباده , الذي من استمسك به سلم , ومن ضيعه عطب , فاحرص على معرفة ما جرى لأبيك آدم , وعدوه إبليس , وما جرى لنوح وقومه , وهود وقومه , وصالح وقومه , وإبراهيم وقومه , ولوط وقومه , وعيسى وقومه , وموسى وقومه , ومحمد - صلى الله عليه وسلم - وقومه.
واعرف ما قصه أهل العلم: من أخبار النبي - صلى الله عليه وسلم - وقومه , وما جرى له معهم في مكة , وما جرى له في المدينة؛ واعرف: ما قص العلماء عن أصحابه , وأحوالهم وأعمالهم , لعلك أن تعرف الإسلام والكفر , فإن الإسلام اليوم غريب , وأكثر الناس لا يميز بينه وبين الكفر , وذلك هو الهلاك الذي لا يرجى معه فلاح.
فأما قصة آدم وإبليس , فلا زيادة على ما ذكر الله عزّ وجلّ في كتابه , ولكن قصة ذريته , فأول ذلك: أن الله أخرجهم من صلبه أمثال الذر , وأخذ عليهم العهود أن لا يشركوا به شيئًا , كما قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا} [الأعراف: 172] ورأى فيهم الأنبياء مثل السرج.
ورأى رجلًا من أنوارهم , فسأله عنه , فأعلمه الله أنه داود , فقال: كم عمره؟ قيل ستون؛ قال: وهبت له من عمري أربعين سنة , وكان عمر آدم ألف سنة؛ ورأى فيهم الأعمى , والأبرص , والمبتلى , فقال يا رب: لم لا سويت بينهم؟ قال: إني أحب أن أشكر؛ فلما مضى من عمر آدم ألف سنة إلا أربعين , أتاه ملك الموت , فقال: إنه بقي من عمري أربعين سنة , فقال: التي وهبتها لا بنك داود , فنسي فنسيت ذريته , وجحد فجحدت ذريته.
فلما مات آدم , بقيت ذريته من بعده عشرة قرون , على دين أبيهم , دين الإسلام , ثم كفروا بعد ذلك.
وسبب كفرهم: هو الغلو في حب الصالحين , كما ذكر الله تعالى في قوله: {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا * وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا} [نوح: 23 - 24] وذلك: أن هؤلاء الخمسة , قوم صالحون