أهل الحجاز على ذلك ظنًا أنه الحق , فلم يزالوا على ذلك حتى بعث الله محمدًا - صلى الله عليه وسلم - بدين إبراهيم , وإبطال ما أحدثه عمرو بن لحى , وكانت الجاهلية على ذلك , فيهم بقايا من دين إبراهيم لم يتركوه كله.
وأيضًا: يظنون أنهم على دين إبراهيم , وأن ما أحدثه عمرو بدعة حسنة , لا تغير دين إبراهيم , وكانت تلبية نزار: لبيك اللهم لبيك , لبيك , لا شريك لك , إلا شريكًا هو لك , تملكه وما ملك , فأنزل الله عزّ وجلّ: {ضَرَبَ لَكُم مَّثَلًا مِنْ أَنفُسِكُمْ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَاء فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاء تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [الروم: 28] .
ومن أقدم أصنامهم (( مناة ) )وكان منصوبًا على ساحل البحر بقديد , تعظمه العرب كلها , لكن الأوس والخزرج , أشد تعظيمًا له من غيرهم , وبسبب ذلك أنزل الله {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ} [البقرة: 158] ثم اتخذوا اللات بالطائف , قيل إن أصله رجل صالح , يلت السويق للحجاج , فمات فعكفوا على قبره , ثم اتخذوا (( العزى ) )بوادي نخلة , بين مكة والطائف , فهذه الثلاثة أكبر أوثانهم.
ثم كثر الشرك , وكثرت الأوثان في كل بقعة من الحجاز؛ وكان لهم أيضًا بيوت يعظمونها كتعظيم الكعبة , وكانوا كما قال الله عزّ وجلّ: {لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ} [آل عمران: 164] .
ولما دعا إلى الله , كان أشد الناس إنكارًا له: علماؤهم , وعبادهم , وملوكهم , وعامتهم , حتى إنه لما دعا رجلًا إلى الإسلام , قال له: من معك على هذا؟ قال: حر وعبد , ومعه يومئذٍ أبو بكر وبلال.
وأعظم فائدة لك أيها الطالب , وأكبر العلم , وأجل المحصول: إن فهمت ما صح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (( بدأ الإسلام غريبًا , وسيعود غريبًا كما بدأ ) )وقوله: (( لتتبعن سنن من كان قبلكم , حذو القذة بالقذة , حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه ) )قالوا يا رسول الله: اليهود والنصارى؟ قال: (( فمن؟ ) )وقوله: (( ستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة , كلها في النار إلا واحدة ) ).
فهذه المسألة هي أجل المسائل , ومن فهمها فهو الفقيه , ومن عمل بها فهو المسلم , نسأل الله الكريم المنان , أن يتفضل علينا بفهمها , والعمل بها.
وأما قصة (( البيت ) ): فإن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام , لما بنياه صارت ولايته في إسماعيل وذريته , ثم غلبهم عليه أخوالهم من جرهم , ولم ينازعهم بنو إسماعيل لقرابتهم , وإعظامًا لحرمتها أن يكون بها قتال.
ثم إن جرهمًا بغوا بمكة , وظلموا من دخلها , فرق أمرهم , فلما رأت بنو بكر بن عبد مناة بن كنانة , وغبشان من خزاعة ذلك: أجمعوا على حربهم , فاقتتلوا , فغلبتهم بنو بكر وغبشان , ونفوهم من مكة , وكانت مكة في