الجاهلية لا يقر فيها ظلم , ولا يبغي فيها احدًا إلا أخرج , ولا يريدها ملك يستحل حرمتها إلا هلك: ثم إن غبشان من خزاعة , وليت البيت دون بني بكر , وقريش إذ ذاك حلول , وصرم , وبيوتات , متفرقون في بني كنانة , فوليت خزاعة البيت يتوارثونه , وكان آخرهم حُلَيل بن حبيشة , فتزوج ابنة قصي بن كلاب , فلما عظم شرف قصي وكثر بنوه وماله , وهلك حُلَيل , ورأى قصي أنه أولى بالكعبة وأمر مكة , من خزاعة وبني بكر , وأن قريشًا رأس آل إسماعيل وصريحهم , فكلم رجالًا من قريش وكنانة , في إخراج خزاعة وبني بكر من مكة , فأجابوه.
وكان الغوث بن مرة بن إد بن طابخة بن الياس بن مضر , يلي الإجازة للناس بالحج من عرفة , وولده من بعده , لأن أمه جرهمية لا تلد , فنذرت لله نذرًا إن ولدت رجلًا أن تصدق به على الكعبة يخدمها , فولدت الغوث , فكان يقوم على الكعبة مع أخواله من جرهم , فولى الإجازة بالناس لمكانه من الكعبة , وكان إذا دفع يقول: اللهم إني تابع تباعة , إن كان إثم فعلى قضاعة.
وكانت صوفة تدفع بالناس من عرفات , وتجيز بهم إذا نفروا من منى , فإذا كان يوم النفر أتوا لرمى الجمار , ورجل من صوفة يرمى لهم , لا يرمون حتى يرمي , فكان المعجلون يأتونه يقولون: إرم حتى نرم , فيقول لا والله حتى تميل الشمس , فإذا زالت رمى ورمى الناس معه , فإذا فرغوا من الرمي , وأرادوا النفر من منى , أخذت وصوفة بالجانبين , فلم يجز أحد حتى يمروا , ثم يخلوا سبيل الناس.
فلما انقرضوا , ورثهم بنو سعد بن زيد مناة من تميم , وكانت الإضافة من مزدلفة , في (( عدوان ) )يتوارثونها , حتى كان آخرهم الذي قام عليه الإسلام أبو سيارة [[1] ]فلما كان ذلك العام , فعلت صوفة ما كانت تفعل , وقد عرفت العرب ذلك لها وهو دين لهم , من عهد جرهم وولاية خزاعة , فأتاهم قصي ومن معه من قريش , وكنانة وقضاعة عند العقبة , فقال نحن أولى بهذا منكم , فقاتلوا , فاقتتل الناس قتالًا شديدًا , فانهزمت صوفة , وغلبهم قصي على ما بأيدهم.
وانحازت عند ذلك خزاعة وبنو بكر عن قصي , وعرفوا أنه سيمنعهم كما منع صوفة , ويحول بينهم وبين الكعبة وأمر مكة , فلما منع صوفة , ويحول بينهم وبين الكعبة وأمر مكة , فلما انحازوا , أجمع لحربهم , فالتقوا واقتتلوا قتالًا شديدًا , ثم تداعوا إلى الصلح , فحكموا عمرو بن عوف , أحد بني بكر , وكل دم أصابة قصي منهم موضوع , يشدخه تحت قدميه , وما أصابت خزاعة وبنو بكر , ففيه الدية , وأن يخلى بين قصي وبين الكعبة ومكة , فسمى يومئذٍ الشداخ.
فوليها قصي وجمع قومه من منازلهم إلى مكة , وتملك عليهم فملكوه , إلا أنه أقر العرب على ما كانوا عليه , لأنه يراه دينًا لهم , فأقر النسأة وآل صفوان , وعدوان ومرة بن عوف , على ما كانوا عليه , حنى جاء الإسلام فهدم ذلك كله , وفيه يقول الشاعر:
(1) هو عميلة بن الأعزل , كما في السيرة لابن هشام.