الصفحة 438 من 461

الدليل الخامس: ما وقع في زمن التابعين , وذلك قصة الجعد بن درهم , وكان من أشهر الناس بالعلم والعبادة , فلما جحد شيئًا من صفات الله عزّ وجلّ , مع كونها كفالة خفية عند الأكثر , ضحى به خالد القسري يوم عيد الأضحى , فقال: أيها الناس ضحوا تقبل الله منكم ضحايكم , فإني مضح بالجعد بن درهم , فإنه يزعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا , ولم يكلم موسى تكليمًا , ثم نزل فذبحه , ولم نعلم أحدًا من العلماء أنكر ذلك عليه , بل ذكر ابن القيم إجماعهم على استحسانه , فقال:

شكر الضحية كل صاحب سنة لله درك من أخي قربان

فإذا كان رجل من أشهر الناس بالعلم والعبادة , وأخذ العلم عن الصحابة , أجمعوا على استحسان قتله , فأين هذا من اعتقاده أعداء الله في البدو؟

الدليل السادس: قصة بني عبيد القداح , فإنهم ظهروا على رأس المائة الثالثة , فادعى عبيد الله أنه من آل علي , من ذرية فاطمة , وتزيا بزي الطاعة والجهاد في سبيل الله , فتبعه أقوام من أهل المغرب , وصار له دولة كبيرة في المغرب , ولأولاده من بعده , ثم ملكوا مصر والشام , واظهروا شرائع الإسلام وإقامة الجمعة والجماعة , ونصبوا القضاة والمفتين.

لكن أظهروا أشياء من الشرك , ومخالفة الشرع , وظهر منهم ما يدل على نفاقهم؛ فأجمع أهل العلم على أنهم كفار , وأن دارهم دار حرب , مع إظهارهم شعائر الإسلام وشرائعه , وفي مصر من العلماء والعباد ناس كثير , وأكثر أهل مصر لم يدخل معهم فيما أحدثوه , ومع ذلك أجمع العلماء على ما ذكرنا , حتى إن بعض أكابر العلماء المعروفين بالصلاح , قال: لو أن معي عشرة أسهم , لرميت بواحد النصارى المحاربين , ورميت بالتسعة في بني عبيد.

ولما كان في زمن السلطان محمود بن زنكي , أرسل إليهم جيشًا عظيمًا , فأخذوا مصر من أيديهم , ولم يتركوا جهادهم لأجل من فيها من الصالحين , فلما فتحها السلطان , فرح المسلمون بذلك فرحًا شديدًا , وصنف ابن الجوزي كتابًا في ذلك سماه (( النصر على مصر ) )وأكثر العلماء التصنيف والكلام في كفرهم , مع ما ذكرنا من إظهار شرائع الإسلام الظاهرة.

فانظر ما بين هذا , وبين ديننا الأول: البدو إسلام , مع معرفتنا بما هم عليه من البراءة من الإسلام كله , إلا قول لا إله إلا الله , ولا نظن أن أحدًا منهم يكفر , إلا إذا انتقل يهوديًا أو نصرانيًا.

فإذا آمنت بما ذكر الله ورسوله , وأجمع عليه العلماء وبرئت ن دين آبائك في هذه المسألة , وقلت آمنت بالله , وبما أنزل الله , وتبرأت مما خالفه باطنًا وظاهرًا ,مخلصًا لله الدين في ذلك , وعرف الله ذلك من قبلك , فأبشر , ولكن سل الله سبحانه التثبيت , واعرف أنه مقلب القلوب:

إن القلوب يد الباري تقلبها ... فسل من الله توفيقًا وتثبيتًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت