ربنا إننا نعوذ بك أن نكون ممن قلت فيهم: {أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ 17} صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ [البقرة: 17 - 18] ولا ممن قلت فيهم {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابَّ عِندَ اللّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ} [الأنفال: 22] .
الدليل الثالث: ما وقع في زمان الخلفاء الراشدين , من قصة أصحاب علي رضي الله عنه , لما اعتقدوا في الإلهية - التي تعتقد اليوم في أناس من أكفر بني آدم , وأفسقهم - فدعاهم إلى التوبة فأبوا , فخدّلهم الأخاديد , وملأها حطبًا , وأضرم فيها النار , وقذفهم فيها وهم أحياء , ومعلوم: أن الكافر , مثل اليهودي والنصراني , إذا أمر الله بقتله , لا يجوز إحراقه بالنار.
فاعلم: أنهم أغلظ كفرًا من اليهود والنصارى , هذا وهم يقومون الليل ويصومون النهار , ويقرؤون القرآن , آخذين له من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , فلما غلوا في علي أنكر الغلو , وحرقهم بالنار وهم أحياء , وأجمع الصحابة والعلماء كلهم على كفرهم.
فأين هذا: ممن يقول في البدو تلك المقالة؟ مع اعترافه بهذه القصة وأمثالها , واعترافه أن البدو كفروا بالإسلام كله , إلا أنهم يقولون: لا إله إلا الله؟! واعلم أن جنابة هؤلاء على الإلهية , ولا علمنا فيهم جنابة على النبوة , والذين قبلهم جنايتهم على النبوة , ولا علمنا لهم جناية على الإلهية؛ وهذا مما يبين لك شيئًا من معنى الشهادتين , اللتين هما أصل الإسلام.
الدليل الرابع: ما وقع في زمن الصحابة , وهي قصة المختار بن أبي عبيد , وهو رجل من التابعين , مصاهر لعبد الله بن عمر , ومظهر للصلاح , فظهر في العراق , يطلب بدم الحسين وأهل بيته , فقتل ابن زياد وماله إليه من مال لطلبه دم أهل البيت ممن ظلمهم , فاستولى على العراق , وأظهر شرائع الإسلام , ونصب القضاة , والأئمة من أصحاب ابن مسعود , وكان هو الذي يصلي بالناس الجماعة والجمعة , لكن في آخره أمره , زعم أنه يوحى إليه.
فسيَّر عليه عبد الله بن الزبير جيشًا , فهزم جيشه , وقتلوه , وأمير الجيش مصعب بن الزبير , وتحته امرأة أبوها أحد الصحابة , فدعاها مصعب إلى تكفيره فأبت , فكتب إلى أخيه عبد الله يستفتيه فيها , فكتب إليه إن لم تبرأ منه فاقتلها , فامتنعت فقتلها مصعب.
وأجمع العلماء كلهم: على كفر المختار , مع إقامته شعائر الإسلام , لما جنى على النبوة؛ فإذا كان الصحابة قتلوا المرأة , التي هي من بنات الصحابة , لما امتنعت من تكفيره , فكيف بمن لم يكفر البدو , مع إقراره بحالهم؟ فكيف بمن زعم أنهم هم أهل الإسلام؟ ومن دعاهم إلى الإسلام أنه هو الكافر؟! يا ربنا نسألك العفو والعافية.