الصفحة 436 من 461

ومع هذا فإن أكثرهم , يظنون أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرهم بذلك , لأجل الشهود الذين معهم (( الرجال ) )والذي يعرف هذا ولا يشك فيه , يقول: من قال لا إله إلا الله فهو المسلم , ولو يكن معه من الإسلام شعرة , بل تركه واستهزأ به متعمدًا.

فسبحان مقلب القلوب والأبصار كيف يشاء , كيف يجتمع في قلب من له عقل - ولو كان أجهل الناس - أنه يعرف أن بني حنيفة كفروا , مع أن حالهم ما ذكرنا , وأن البدو إسلام ولو تركوا الإسلام كله , وأنكروه واستهزؤوا به على عمد , لأنهم يقولون لا إله إلا الله , لكن أشهد أن الله على كل شيء قدير , نسأل الله أن يثبت قلوبنا على دينه , ولا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا , وأن يهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب.

الدليل الثاني: قصة أخرى وقعت في زمن الخلفاء الراشدين , وهي: أن بقايا من بني حنيفة , لما رجعوا إلى الإسلام , وتبرؤوا من مسيلمة , وأقروا بكذبة , كبر ذنبهم في أنفسهم , وتحملوا بأهليهم إلى الثغر , لأجل الجهاد في سبيل الله , لعل ذلك يمحو عنهم تلك الردة , لأن الله تعالى يقول: {إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} [الفرقان: 70] وقوله: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى} [طه: 82] .

فنزلوا الكوفة , وصار لهم بها محلة معروفة , فيها مسجد يسمى مسجد بني حنيفة , فمر بعض المسلمين على مسجدهم , ما بني المغرب والعشاء , فسمع منهم كلامًا , معناه: أن مسيلمة على حق , وهم جماعة كثيرون , لكن الذي لم يقل لم ينكر على من قال , فرفعوا أمرهم إلى ابن مسعود , فجمع من عنده من الصحابة رضي الله عنهم , واستشارهم: هل يقتلهم إن يقتلهم وإن تابوا؟ أو يستتيبهم؟ فأشار بعضهم بقتلهم من غير استتابة , وأشار بعضهم باستتابتهم , فاستتاب بعضهم , وقتل بعضهم ولم يستتبه , وقتل عالمهم ابن النواحة.

فتأمل رحمك الله: إذا كانوا قد أظهروا من الأعمال الصالحة الشاقة ما أظهروا , لما تبرؤوا من الكفر , وعادوا إلى الإسلام , ولم يظهر منهم إلا كلمة أخفوها في مدح مسيلمة , لكن سمعها بعض المسلمين , ومع هذا لم يتوقف أحد في كفرهم كلها , المتكلم والحاضر الذي لم ينكر , لكن اختلفوا: هل تقبل توبتهم أم لا؟ والقصة في صحيح البخاري.

فأين هذا من كلام من يزعم أنه من العلماء , ويقول: البدو ما معهم من الإسلام شعرة , إلا أنهم يقولون لا إله إلا الله , وحكم بإسلامهم بذلك؟ أين هذا مما أجمع عليه الصحابة , فيمن قال تلك الكلمة , أو حضرها ولم ينكر؟ هبات ما بين الفريقين , وبعد مسافة ما بين الطريقين:

سارت مشرقة وسرت مغربًا شتان بين مشرق ومغرب

صم وبكم عن حقيقة دينهم عمى عن القول المصيب الطيب

قد أغرقوا في بحر شرك لجة ... في ظلمة فيها صواعق صيب

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت