ومع هذا فإن أكثرهم , يظنون أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرهم بذلك , لأجل الشهود الذين معهم (( الرجال ) )والذي يعرف هذا ولا يشك فيه , يقول: من قال لا إله إلا الله فهو المسلم , ولو يكن معه من الإسلام شعرة , بل تركه واستهزأ به متعمدًا.
فسبحان مقلب القلوب والأبصار كيف يشاء , كيف يجتمع في قلب من له عقل - ولو كان أجهل الناس - أنه يعرف أن بني حنيفة كفروا , مع أن حالهم ما ذكرنا , وأن البدو إسلام ولو تركوا الإسلام كله , وأنكروه واستهزؤوا به على عمد , لأنهم يقولون لا إله إلا الله , لكن أشهد أن الله على كل شيء قدير , نسأل الله أن يثبت قلوبنا على دينه , ولا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا , وأن يهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب.
الدليل الثاني: قصة أخرى وقعت في زمن الخلفاء الراشدين , وهي: أن بقايا من بني حنيفة , لما رجعوا إلى الإسلام , وتبرؤوا من مسيلمة , وأقروا بكذبة , كبر ذنبهم في أنفسهم , وتحملوا بأهليهم إلى الثغر , لأجل الجهاد في سبيل الله , لعل ذلك يمحو عنهم تلك الردة , لأن الله تعالى يقول: {إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} [الفرقان: 70] وقوله: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى} [طه: 82] .
فنزلوا الكوفة , وصار لهم بها محلة معروفة , فيها مسجد يسمى مسجد بني حنيفة , فمر بعض المسلمين على مسجدهم , ما بني المغرب والعشاء , فسمع منهم كلامًا , معناه: أن مسيلمة على حق , وهم جماعة كثيرون , لكن الذي لم يقل لم ينكر على من قال , فرفعوا أمرهم إلى ابن مسعود , فجمع من عنده من الصحابة رضي الله عنهم , واستشارهم: هل يقتلهم إن يقتلهم وإن تابوا؟ أو يستتيبهم؟ فأشار بعضهم بقتلهم من غير استتابة , وأشار بعضهم باستتابتهم , فاستتاب بعضهم , وقتل بعضهم ولم يستتبه , وقتل عالمهم ابن النواحة.
فتأمل رحمك الله: إذا كانوا قد أظهروا من الأعمال الصالحة الشاقة ما أظهروا , لما تبرؤوا من الكفر , وعادوا إلى الإسلام , ولم يظهر منهم إلا كلمة أخفوها في مدح مسيلمة , لكن سمعها بعض المسلمين , ومع هذا لم يتوقف أحد في كفرهم كلها , المتكلم والحاضر الذي لم ينكر , لكن اختلفوا: هل تقبل توبتهم أم لا؟ والقصة في صحيح البخاري.
فأين هذا من كلام من يزعم أنه من العلماء , ويقول: البدو ما معهم من الإسلام شعرة , إلا أنهم يقولون لا إله إلا الله , وحكم بإسلامهم بذلك؟ أين هذا مما أجمع عليه الصحابة , فيمن قال تلك الكلمة , أو حضرها ولم ينكر؟ هبات ما بين الفريقين , وبعد مسافة ما بين الطريقين:
سارت مشرقة وسرت مغربًا شتان بين مشرق ومغرب
صم وبكم عن حقيقة دينهم عمى عن القول المصيب الطيب
قد أغرقوا في بحر شرك لجة ... في ظلمة فيها صواعق صيب