صريحًا لا يحتمل التأويل من وجوه كثيرة , منها: أن دعاء الموتى , والنذر لهم , ليشفعوا له عند الله , هو الشرك الأكبر , الذي بعث النبي بالنهي - صلى الله عليه وسلم - عنه , فكفّر من لم يتب منه , وقاتله وعاداه.
وآخر ما صرح به , قوله آنفًا: وما نجا من شرك هذا الشرك الأكبر إلى آخره , فهل بعد هذا البيان بيان , إلا العناد , بل الإلحاد , ولكن تأمل قوله أرشدك الله: وما نجا من شرك هذا الشرك الأكبر , إلا من عادى المشركين إلى آخره , وتأمل لم يعادهم فهو منهم , وإن لم يفعله.
وقد ذكر في الإقناع , عن الشيخ تقي الدين: أن من دعا علي بن أبي طالب فهو كافر , وإن من شك في كفره فهو كافر , فإذا كان هذا حال من شك في كفره , مع عداوته له ومقته , فكيف بمن يعتقد أنه مسلم , ولم يعاده فكيف بمن أحبه , فكيف بمن جادل عنه وعن طريقته؟ وتعذر أنا لا نقدر على التجارة وطلب الرزق إلا بذلك , وقد قال تعالى {وَقَالُوا إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا} [القصص: 57] فإذا كان هذا قول الله تعالى , فيمن تعذر عن التبين بالعمل بالتوحيد , ومعاداة المشركين بالخوف على أهله وعياله , فكيف بمن اعتذر في ذلك بتحصيل التجارة , ولكن الأمر كما تقدم عن عمر: إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية , فلهذا لم يفهم معنى القرآن , وأنه أشر وأفسد من الذين قالوا: {إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا} الآية.
ومع هذا: فالكلام الذي يظهرون نفاق , وإلا فهم يعتقدون: أن أهل التوحيد ضالون مضلون , وأن عبدة الأوثان أهل الحق , والصواب كما صرح به إمامهم في الرسالة التي أتتكم قبل هذه , خطه بيده , يقول: بيني وبينكم أهل الأقطار , وهم خير أمة أخرجت للناس , وهم كذا وكذا , فإذا كان يريد التحاكم إليهم , ويصفهم بأنهم خير أمة أخرجت للناس , فكيف أيضًا يصفهم بالشرك , ومخالطتهم للحاجة , وما أحسن قول أصدق القائلين: {وَالسَّمَاء ذَاتِ الْحُبُكِ * إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ * يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ} [الذريات: 7 - 9] {َلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَّرِيجٍ} [ق: 5] .
فرحم الله امرءًا نظر في نفسه , وتفكر فيما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - من عند الله , من معاداة من أشرك بالله , من قريب أو بعيد , وتكفيرهم , وقتالهم , حتى يكون الدين كله لله , وعلم ما حكم به محمد - صلى الله عليه وسلم - فيمن أشرك بالله , مع ادعائه الإسلام , وما حكم في ذلك الخلفاء الراشدون , كعلي بن أبي طالب رضي الله عنه وغيره , لما حرقهم بالنار , مع أن غيرهم من أهل الأوثان , الذين لم يدخلوا في الإسلام , لا يقتلون بالتحريق , والله الموفق.
وقال أبو العباس ابن تيمية , في الرد على المتكلمين , لما ذكر بعض أحوال برأي جنسهم , فهم الآمرون بالشرك , والفاعلون له , ومن يأمر منهم بالشرك , فلم ينه عنه , بل يقر هؤلاء وهؤلاء , وإن رجح الموحدين ترجيحًا ما , فتدبر هذا يرجح غيره المشركين , وقد يعرض عن الأمرين جميعًا , فتدبر هذا , فإنه نافع جدًا.