الصفحة 59 من 461

الموضوع الرابع: قصة أبي طالب، فمن فهمها فهمًا حسنًا , وتأمل إقراره بالتوحيد، وحث الناس عليه , وتسفه عقول المشركين، ومحبته لمن أسلم وخلع الشرك، ثم بذل عمره وماله وأولاده وعشيرته , في نصرة رسول لله - صلى الله عليه وسلم - إلى أن مات , ثم صبر على المشقة العظيمة , والعداوة والبالغة , لكن لم يدخل فيه , ولم يتبرأ من دينه مسبة لأبيه عبد المطلب , ولهاشم و غيرهما من مشائخهم؛ ثم مع قرابته ونصرته , استغفر له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأنزل الله عليه {ما كان للنبي و الذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى} الآية [التوبة: 113] .

والذي يبين هذا: أنه إذا عرف رجل من أهل البصرة أو الإحساء، يحب الدين ويحب المسلمين، ظن أكثر الناس أنه مع المسلمين , مع أنه لم ينصر الدين بيد ولا مال، ولا له من الأعذار مثل ما لأبي طالب؛ فمن فهم قصة أبي طالب , وفهم الواقع من أكثر من يدعي الدين، تبين له الهدى من الضلال، وعرف سوء الأفهام , والله المستعان.

الموضوع الخامس: قصة الهجرة , وفيها من الفوائد والعبر ما لا يعرفه أكثر من قرأها , ولكن مرادنا الآن مسألة من مسائلها , وهي: أن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من لم يهاجر من غير شك في الدين , وفي تزين دين المشركين , ولكن محبة الأهل والمال والوطن , فلما خرجوا إلى بدر , خرجوا مع المشركين كارهين , فقتل فلان وفلان شق عليهم , وقالوا قتلنا إخواننا، فأنزل الله: {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم} إلى قوله: {وكان الله عفوًا غفورًا} [النساء: 97 - 99] .

فمن تأمل قصتهم، وتأمل قول الصحابة: قتلنا إخواننا , لأنه لم يبلغهم عنهم كلام في الدين , أو كلام في تزيين دين المشركين , ولو بلغهم شيء من ذلك لم يقولوا قتلنا إخواننا؛ فإن الله قد بيّن لهم بمكة وهم بمكة قبل الهجرة , وأن ذلك كفر بعد الإيمان، بقوله تعالى: {من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان} [النحل: 106] .

وأبلغ من هذا ما تقدم من كلام الله فيهم، فإن الملائكة تقول: (فيما كنتم) ولم يقولوا: كيف تصديقكم {قالوا كنا مستضعفين في الأرض} ولم يقولوا كذبتم: مثل ما يقول الله، والملائكة للمجاهد، الذي يقول: جاهدت في سبيلك حتى قتلت؛ فيقول الله: كذبت , وتقول الملائكة كذبت , بل قاتلت ليقال جريء؛ وكذلك يقولون للعالم والمتصدق كذبت , بل تعلمت ليقال عالم، وتصدقت ليقال جواد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت