وقولك: لكنك أخلّيت حين استدللت بالآيات , عن بيان سبب نزولها , عن حكمها , وفيمن نزلت ... إلخ.
فأقول , وبالله التوفيق: قد أمكنت الرامي من سواء الثغرة , هذا كلام في غاية الركاكة لفظًا ومعنى، ويشعر بأن قائله لا معرفة له في شيء أصلًا , ولو ذهبنا نذكر ما فيه من سوء التعبير , لطال الجواب عن بيان خصال , لا تخفى على من له معرفة بالكلام , صحيحه و سقيمه.
ثم لا يخفى: أن هذا الكلام على ما فيه , شروع منك في نقض ما أسّسته من قولك: أن كلام الله هو الحجة القاطعة، فحاولت في هذه العبارة , أن لا يحتج به على أهل وقت أنت فيهم , فإذا كان أحكام القرآن مقصورة عندك , على من نزل بسببهم , فكيف حجة قاطعة على غيرهم , هذا تناقض منك بيِّن أسست ثم هدمت.
ثم يقال لك: فمن أخذت عنه هذا؟ ومن قال من الأمة: ن خطاب الله في كتابه , وخطاب رسوله في سنته , إنما يتعلق بمن نزل بسببهم دون غيرهم، هذا لا يقوله أبلد الناس , وأجهلهم بالشريعة وأحكامها , بل ولا يتجاسر أن يقول أحد , ممن يجادل بالباطل , صونًا لنفسه عن التجهيل والتضليل، لأن هذا على الجهالة والضلالة , من أبين دليل , ولما يلزم قائله من تعطيل الشريعة , والطعن على أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قتال من ارتد عن الإسلام , بعد وفاة نبيهم - صلى الله عليه وسلم - لكونهم يشهدون ن لا إله إلا الله , كما قصة الصديق مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه , حتى قال: فما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال، فعلمت أنه الحق فيلزمك على هذا القول: أنه ليس بحق , واللازم باطل , فبطل الملزم.
ويلزم أيضًا على هذا القول المختلق: أن الصحابة رضي الله عنهم أخطؤوا في قتال الخوارج , لأنهم يشهدون أن لا إله إلا الله , ولهم عبادات وقراءة وعلم؛ وأن قول النبي - صلى الله عليه وسلم - (( أينما لقيتموهم فاقتلوهم , لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد ) )خطأ؛ ومن المعلوم: أن أولئك الخوارج , قتلهم على رضي الله عنه بالنهروان , لم يكن خروجهم حين نزول القرآن , ولا وجود لهم في خلافة أبي بكر , وإنما خرجوا في الفتنة , بعد قتال معاوية رضي الله عنهما بصفتين؛ والنبي - صلى الله عليه وسلم - قد أخبر أنهم سيخرون , قال فيهم: (( يحقر أحكم صلاته عن صلاتهم , وقراءته عند قرائتهم , يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية , أينما لقيتموهم فاقتلوهم ) )الحديث.
ولا زم هذا القول الفاسد أيضًاُ: أن لا يستدل أحد بآية من كتاب الله , ولا بحديث من سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا رد عليه كلامه , أو صاحب هوى , فالحكم مقصور على من نزل بسببهم , وتعطلت الشرائع والأحكام والحدود , و اللازم باطل، فبطل الملزم , ولو أرخيت عنان القلم , لذكرت من لوازمه