وقد تقدم: كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى , فإن نصوص الكتاب والسنة , الذين هم دعوة محمد - صلى الله عليه وسلم - إلى يوم القيامة , تناول عموم الخلق , بالعموم اللفظي والمعنوي , أو العموم المعنوي , وعهود الله كتابه وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - تناول آخر هذه الأمة , كما تناول أولها إلى آخر كلامه؛ فأعد النظر فيه.
ومثل هذه الآية , التي تقدم ذكرها , قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوًا ولعبًا} الآية [المائدة: 57] وقال تعالى في الآيات قبلها: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم} الآية [المائدة: 51] وهذه الآية وأمثالها , تعرف بعظم هذا الذنب؛ في هذه الآية قد جعلها تعالى من موانع الهداية , ووصف الفاعل بالظلم , فسماهم الظالمين , وفي هذه السورة وغيرها قبلها وبعدها في السور , ما يدل على هذا ردة عن الإسلام , يظهر فيها لمن تدبر.
وصرح شيخنا رحمه الله , في رده على ابن سحيم وغيره , وسبقه إلى ذلك العلماء , كأبي جعفر بن جرير في تفسيره , وبرهانه ظاهر القرآن - ولله الحمد والمنة - والناس إنما يعرفون بأعمالهم , كما قال تعالى: {وقل اعملوا فسير الله عملكم ورسوله والمؤمنين} الآية [التوبة: 105] فإذا عمل العبد بأعمال أهل الأيمان , ولم يأتي بما ينافي ذلك و صار مؤمنًا مع المؤمنين للآية.
وإن عمل أعمال أهل النفاق، من الكفرة والمرتدين , صار منهم ولا بد , وإن كان من أرفع الناس نسبًا وأكثرهم مالًا وحسبًا , شاء أم أبى , فلا يرجون عبد إلا ربه , ولا يخافن إلا ذنبه , وما أحسن ما قال الحسن البصري رحمه الله: ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني , ولكن ما وقر في القلوب , وصدقته الأعمال.
فإذ كنت إنما تعرف الناس بالأشخاص لا بالأعمال , فكيف تدعي معرفة التوحيد , وأنت لا تميز أهله من ضدهم , ولا تعرف ما يناقضه؛ وقد عد العلماء رحمهم الله , - كصاحب الإقناع - من نواقض الإسلام , أكثر من أربعمائة ناقض , وقد وقع أكثر الناس فيها اليوم , بسبب هذه الفتنة , وهذا لا يخفى على من له بصيرة ومعرفة بالتوحيد , ولو ذهبنا نعد ما وقع من ذلك لطال الكتاب , وذو البصيرة يرى ويبصر.
وقد ذكرنا شيخنا: الإمام محمد بن عبد الوهاب , رحمه الله , أن الناس في زمانه تنوعت أحوالهم في الدعوة الإسلامية , أربعة عشر نوعًا , ليس منهم يهودي ولا نصراني , ولا رافضي ولا جهمي , ولا معتزلي , وكل هذه الأنواع , قد خالفوا ما جاءت به الرسل من دين الله تعالى , فرحمه الله وأحسن إليه المآب , ولعلك أن تكون من أولئك الأنواع وأنت لا تشعر.