الصفحة 82 من 102

الكتب قد بينتها كلمات محكمات في الإنجيل وما قبله كلها تنطق بعبودية المسيح وعبادته لله وحده ودعائه وتضرعه. ولما كان أصل الدين هو الإيمان بالله ورسوله كما قال خاتم النبيين والمرسلين: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله) وقال: (لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله) كان أمر الدين توحيد الله والإقرار برسله. ولهذا كان الصابئون والمشركون كالبراهمة ونحوهم من منكري النبوات مشركين بالله في إقرارهم وعبادتهم وفاسدي الاعتقاد في رسله.

فأرباب التثليث في الوحدانية والاتحاد في الرسالة قد دخل في أصل دينهم من الفساد ما هو بين بفطرة الله التي فطر الناس عليها وبكتب الله التي أنزلها. ولهذا كان عامة رؤسائهم - من القسيسين والرهبان وما يدخل فيهم من البطارقة والمطارنة والأساقفة - إذا صار الرجل منهم فاضلا مميزًا فإنه ينحل عن دينه ويصير منافقا لملوك أهل دينه وعامتهم رضي بالرياسة عليهم وبما يناله من الحظوظ، كالذي كان لبيت المقدس الذي يقال له [ابن البوري] والذي كان بدمشق الذي يقال لا [ابن القف] والذي بقسطنطينية وهو [البابا] عندهم وخلق كثير من كبار الباباوات والمطارنة والأساقفة لما خاطبهم قوم من الفضلاء أقروا لهم بأنهم ليسوا على عقيدة النصارى، وإنما بقاؤهم على ما هم عليه لأجل العادة والرياسة كبقاء الملوك والأغنياء على ملكهم وغناهم ولهذا تجد غالب فضلائهم إنما همة أحدهم نوع من العلم الرياضي. كالمنطق والهيئة والحساب والنجوم، أو الطبيعي كالطب ومعرفة الأركان أو التكلم في الإلهي على طريقة الصابئة الفلاسفة الذين بعث إليهم إبراهيم الخليل عليه السلام: قد نبذوا دين المسيح والرسل الذين قبله وبعده وراء ظهورهم وحفظوا رسوم الدين لأجل الملوك والعامة.

وأما الرهبان فأحدثوا من أنواع المكر والحيل بالعامة ما يظهر لكل عاقل، حتى صنف الفضلاء في حيل الرهبان كتبا: مثل النار التي كانت تصنع بقمامة. يدهنون خيطا دقيقا بسندروس ويلقون النار عليه بسرعة فتنزل. فيعتقد الجهال أنها نزلت من السماء ويأخذونها إلى البحر وهي صنعة ذلك الراهب يراه الناس عيانا وقد اعترف هو وغيره أنهم يصنعونها.

وقد اتفق أهل الحق من جميع الطوائف على أنه لا تجوز عبادة الله تعالى بشيء ليس له حقيقة. وقد يظن المنافقون أن ما ينقل عن المسيح وغيره من المعجزات من جنس النار المصنوعة.

وكذلك حيلهم في تعليق الصليب وفي بكاء التماثيل التي يصورونها على صورة المسيح وأمه وغيرهما ونحو ذلك: كل ذلك يعلم كل عاقل أنه إفك مفترى وأن جميع أنبياء الله وصالحي عباده برآء من كل زور وباطل وإفك كبراءتهم من سحر سحرة فرعون.

ثم إن هؤلاء عمدوا إلى الشريعة التي يعبدون الله بها فناقضوا الأولين من اليهود فيها، مع أنهم يأمرون بالتمسك بالتوراة، إلا ما نسخه المسيح. قصر هؤلاء في الأنبياء حتى قتلوهم. وغلا هؤلاء فيهم حتى عبدوهم وعبدوا تماثيلهم. وقال أولئك: إن الله لا يصلح له أن يغير ما أمر به فيفسخه، لا في وقت آخر ولا على لسان نبي آخر. وقال هؤلاء: بل الأحبار والقسيسون يغيرون ما شاءوا ويحرمون ما رأوا ومن أذنب ذنبا وضعوا عليه ما رأوا من العبادات وغفروا له. ومنهم من يزعم أنه ينفخ في المرأة من روح القدس فيجعل البخور قربانًا. وقال أولئك: حرم علينا أشياء كثيرة. وقال هؤلاء: ما بين البقة والفيل حلال: كل ما شئت ودع ما شئت. وقال أولئك: النجاسات مغلظة، حتى إن الحائض لا يقعد معها ولا يؤكل معها. وهؤلاء يقولون: ما عليك شيء نجس ولا يأمرون بختان ولا غسل منجنابة ولا إزالة نجاسة، مع أن المسيح والحواريين كانوا على شريعة التوراة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت