فهرس الكتاب
ثم إن الصلاة إلى المشرق لم يأمر بها المسيح ولا الحواريون، وإنما ابتدعها قسطنطين أو غيره. وكذلك الصليب إنما ابتدعه قسطنطين برأيه وبمنام زعم أنه رآه. وأما المسيح والحواريون فلم يأمروا بشيء من ذلك. والدين الذي يتقرب العباد به إلى الله لا بد أن يكون الله أمر به وشرعه على ألسنة رسله وأنبيائه، وإلا فالبدع كلها ضلالة وما عبدت الأوثان إلا بالبدع.
وكذلك إدخال الألحان في الصلوات لم يأمر بها المسيح ولا الحواريون. وبالجملة فعامة أنواع العبادات والأعياد التي هم عليها لم ينزل بها الله كتابا ولا بعث بها رسولا، لكن فيهم رأفة ورحمة وهذا من دين الله، بخلاف الأولين، فإن فيهم قسوة ومقتا وهذا مما حرمه الله تعالى لكن الأولون لهم تمييز وعقل مع العناد والكبر. والآخرون فيهم ضلال عن الحق وجهل بطريق الله. ثم إن هاتين الأمتين تفرقتا أحزابا كثيرة في أصل دينهم واعتقادهم في معبودهم ورسولهم. هذا يقول: إن جوهر اللاهوت والناسوت صارا جوهرا واحدا وطبيعة واحدة وأقنوما واحدا. وهم اليعقوبية. وهذا يقول: بل هما جوهران وطبيعتان وأقنومان. وهم النسطورية. وهذا يقول بالاتحاد من وجه دون وجه وهم الملكانية. وقد آمن جماعات من علماء أهل الكتاب قديما وحديثا وهاجروا إلى الله ورسوله وصنفوا في كتب الله من دلالات نبوة النبي خاتم المرسلين وما في التوراة والزبور والإنجيل من مواضع لم يدبروها وكذلك الحواريون.
فلما اختلف الأحزاب من بينهم هدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه فبعث النبي الذي بشر به المسيح ومن قبله من الأنبياء داعيا إلى ملة إبراهيم ودين المرسلين قبله وبعده وهو عبادة الله وحده لا شريك له وإخلاص الدين كله لله وطهر الأرض من عبادة الأوثان ونزه الدين عن الشرك: دقه وجله، بعد ما كانت الأصنام تعبد في أرض الشام وغيرها في دولة بني إسرائيل ودولة الذين قالوا: إنا نصارى. وأمر بالإيمان بجميع كتب الله المنزلة كالتوراة والإنجيل والزبور والفرقان. وبجميع أنبياء الله من آدم إلى محمد. قال الله تعالى: {وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [البقرة: 135] {قُولُوا آمَنَّا بِاللّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [البقرة: 136] {فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [البقرة: 137] {صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ} [البقرة: 138] .
وأمر الله ذلك الرسول بدعوة الخلق إلى توحيده بالعدل فقال تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شيئا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64] وقال تعالى: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ} [الشورى: 51] وقال تعالى: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللّهِ وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ} [آل عمران: 79] {وَلاَ يَامُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُوا الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا أَيَامُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ} [آل عمران: 80] .
وأمره أن تكون صلاته وحجه إلى بيت الله الحرام الذي بناه خليله إبراهيم أبو الأنبياء وإمام الحنفاء. وجعل أمته وسطا فلم يغلوا في الأنبياء كغلو من عدلهم بالله.
وجعل فيهم شيئا من الإلهية وعبدهم وجعلهم شفعاء. ولم يجفوا جفاء من آذاهم واستخف بحرماتهم وأعرض عن طاعتهم، بل عزروا الأنبياء - أي عظموهم ونصروهم - وآمنوا بما جاءوا به وأطاعوهم واتبعوهم وائتموا بهم وأحبوهم وأجلوهم ولم يعبدوا إلا الله فلم يتكلوا إلا