الصفحة 84 من 102

عليه ولم يستعينوا إلا به مخلصين له الدين حنفاء. وكذلك في الشرائع. قالوا ما أمرنا الله به أطعناه وما نهانا عنه انتهينا وإذا نهانا عما كان أحله - كما نهى بني إسرائيل عما كان أباحه ليعقوب - أو أباح لنا ما كان حرامًا - كما أباح المسيح بعض الذي حرم الله على بني إسرائيل - سمعنا وأطعنا. وأما غير رسل الله وأنبيائه فليس لهم أن يبدلوا دين الله ولا يبتدعوا في الدين ما لم يأذن به الله.

والرسل إنما قالوا تبليغًا عن الله، فإنه سبحانه له الخلق والأمر فكما لا يخلق غيره لا يأمر غيره {إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} [يوسف: 40] . وتوسطت هذه الأمة في الطهارة والنجاسة. وفي الحلال والحرام وفي الأخلاق. ولم يجردوا الشدة كما فعله الأولون ولم يجردوا الرأفة كما فعله الآخرون بل عاملوا أعداء الله بالشدة وعاملوا أولياء الله بالرأفة والرحمة وقالوا في المسيح ما قاله سبحانه وتعالى وما قاله المسيح والحواريون، لا ما ابتدعه الغالون والجافون. وقد أخبر الحواريون عن خاتم المرسلين أنه يبعث من أرض اليمن وأنه يبعث بقضيب الأدب وهو السيف. وأخبر المسيح أنه يجيء بالبينات والتأويل. وأن المسيح جاء بالأمثال. وهذا باب يطول شرحه. وإنما نبه الداعي لعظيم ملته وأهله لما بلغني ما عنده من الديانة والفضل ومحبة العلم وطلب المذاكرة ورأيت الشيخ أبا العباس المقدسي شاكرًا من الملك: من رفقه ولطفه وإقباله عليه وشاكرًا من القسيسين ونحوهم. ونحن قوم نحب الخير لكل أحد ونحب أن يجمع الله لكم خير الدنيا والآخرة، فإن أعظم ما عبد الله به نصيحة خلقه وبذلك بعث الله الأنبياء والمرسلين ولا نصيحة أعظم من النصيحة فيما بين العبد وبين ربه، فإنه لا بد للعبد من لقاء الله ولا بد أن الله يحاسب عبده كما قال تعالى: {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ} [الأعراف: 6] .

وأما الدنيا فأمرها حقير وكبيرها صغير. وغاية أمرها يعود إلى الرياسة والمال. وغاية ذي الرياسة أن يكون كفرعون الذي أغرقهالله في اليم انتقاما منه. وغاية ذي المال أن يكون كقارون الذي خسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة. لما آذى نبي الله موسى. وهذه وصايا المسيح ومن قبله ومن بعده من المرسلين كلها تأمر بعبادة الله والتجرد للدار الآخرة والإعراض عن زهرة الحياة الدنيا.

ولما كان أمر الدنيا خسيسًا رأيت أن أعظم ما يهدى لعظيم قومه المفاتحة في العلم والدين: بالمذاكرة فيما يقرب إلى الله. والكلام في الفروع مبني على الأصول.

وأنتم تعلمون أن دين الله لا يكون بهوى النفس ولا بعادات الآباء وأهل المدنية وإنما ينظر العاقل فيما جاءت به الرسل وفي ما اتفق الناس عليه وما اختلفوا فيه ويعامل الله تعالى بينه وبين الله تعالى بالاعتقاد الصحيح والعمل الصالح وإن كان لا يمكن الإنسان أن يظهر كل ما في نفسه لكل أحد: فينتفع هو بذلك القدر.

وإن رأيت من الملك رغبة في العلم والخير كاتبته وجاوبته عن مسائل يسألها وقد كان خطر لي أن أجيء إلى قبرص لمصالح في الدين والدنيا، لكن إذا رأيت من الملك ما فيه رضي الله ورسوله عاملته بما يقتضيه عمله، فإن الملك وقومه يعلمون أن الله قد أظهر من معجزاترسله عامة ومحمد خاصة: ما أيد به دينه وأذل الكفار والمنافقين. ولما قدم مقدم المغول غازان وأتباعه إلى دمشق وكان قد انتسب إلى الإسلام، لكن لم يرض الله ورسوله والمؤمنون بما فعلوه، حيث لم يلتزموا دين الله وقد اجتمعت به وبأمرائه وجرى لي معهم فصول يطول شرحها، لا بد أن تكون قد بلغت الملك، فأذله الله وجنوده لنا حتى بقينا نضربهم بأيدينا ونصرخ فيهم بأصواتنا. وكأن معهم صاحب سيس مثل أصغر غلام يكون حتى كان بعض المؤذنين الذين معنا يصرخ عليه ويشتمه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت