الصفحة 85 من 102

وهو لا يجترئ أن يجاوبه حتى إن وزراء غازان ذكروا ما ينم عليه من فساد النية له وكنت حاضرا لما جاءت رسلكم إلى ناحية الساحل وأخبرني التتار بالأمر الذي أراد صاحب سيس أن يدخل بينكم وبينه فيه حيث مناكم بالغرور وكان التتار من أعظم الناس شتيمة لصاحب سيس وإهانة له، ومع هذا فإنا كنا نعامل أهل ملتكم بالإحسان إليهم والذب عنهم. وقد عرف النصارى كلهم أني لما خاطبت التتار في إطلاق الأسرى وأطلقهم غازان وقطلو شاه وخاطبت مولاي فيهم فسمح بإطلاق المسلمين. قال لي: لكن معنا نصارى أخذناهم من القدس فهؤلاء لا يطلقون. فقلت له: بل جميع من معك من اليهود والنصارى الذين هم أهل ذمتنا، فإنا نفتكهم ولا ندع أسيرا لا من أهل الملة ولا من أهل الذمة. وأطلقنا من النصارى من شاء الله. فهذا عملنا وإحساننا والجزاء على الله. وكذلك السبي الذي بأيدينا من النصارى يعلم كل أحد إحساننا ورحمتنا ورأفتنا بهم، كما أوصانا خاتم المرسلين حيث قال في آخر حياته: (الصلاة وما ملكت أيمانكم) قال الله تعالى في كتابه: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} [الإنسان: 8] .

ومع خضوع التتار لهذه الملة وانتسابهم إلى هذه الملة، فلم نخادعهم ولم ننافقهم، بل بينا لهم ما هم عليه من الفساد والخروج عن الإسلام الموجب لجهادهم وأن جنود الله المؤيدة وعساكره المنصورة المستقرة بالديار الشامية والمصرية: ما زالت منصورة على من ناوأها. مظفرة على من عاداها. وفي هذه المدة لما شاع عند العامة أن التتار مسلمون أمسك العسكر عن قتالهم فقتل منهم بضعة عشر ألفا ولم يقتل من المسلمين مائتان. فلما انصرف العسكر إلى مصر وبلغه ما عليه هذه الطائفة الملعونة من الفساد وعدم الدين: خرجت جنود الله وللأرض منها وئيد قد ملأت السهل والجبل، في كثرة وقوة وعدة وإيمان وصدق. قد بهرت العقول والألباب. محفوفة بملائكة الله التي ما زال يمد بها الأمة الحنيفية المخلصة لبارئها: فانهزم العدو بين أيديها ولم يقف لمقابلتها. ثم أقبل العدو ثانيا فأرسل عليه منالعذاب ما أهلك النفوس والخيل وانصرف خاسئا وهو حسير وصدق الله وعده ونصر عبده. وهو الآن في البلاء الشديد والتعكيس العظيم والبلاء الذي أحاط به. والإسلام في عز متزايد وخير مترافد، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد قال: (إن الله يبعث لهذه الأمة في رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها) . وهذا الدين في إقبال وتجديد. وأنا ناصح للملك وأصحابه - والله الذي لا إله إلا هو الذي أنزل التوراة والإنجيل والفرقان. ويعلم الملك أن وفد نجران - وكانوا نصارى كلهم فيهم الأسقف وغيره - لما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى الله ورسوله وإلى الإسلام: خاطبوه في أمر المسيح وناظروه فلما قامت عليهم الحجة جعلوا يراوغون فأمر الله نبيه أن يدعوهم إلى المباهلة كما قال: {فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} [آل عمران: 61] .

فلما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك استشوروا بينهم فقالوا: تعلمون أنه نبي وأنه ما باهل أحد نبيًا فأفلح. فأدوا إليه الجزية ودخلوا في الذمة واستعفوا من المباهلة.

وكذلك بعث النبي صلى الله عليه وسلم كتابه إلى قيصر الذي كان ملك النصارى بالشام والبحر إلى قسطنطينية وغيرها وكان ملكًا فاضلًا. فلما قرأ كتابه وسأل عن علامته: عرف أنه النبي الذي بشر به المسيح وهو الذي كان وعد الله به إبراهيم في ابنه إسماعيل وجعل يدعو قومه النصارى إلى متابعته وأكرم كتابه وقبله ووضعه على عينيه وقال: وددت أني أخلص إليه حتى أغسل عن قدميه ولولا ما أنا فيه من الملك لذهبت إليه. وأما النجاشي ملك الحبشة النصراني، فإنه لما بلغه خبر النبي صلى الله عليه وسلم من أصحابه الذين هاجروا إليه: آمن به وصدقه وبعث إليه ابنه وأصحابه مهاجرين. وصلى النبي صلى الله عليه وسلم عليه لما مات. ولما سمع سورة {كهيعص} [مريم: 1] بكى. ولما

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت