إذًا فأصل هذه المسألة هو الانغماس منفردًا أو مع جماعة قليلة في جيش العدو، رغم التيقن بالموت المحقق، إلا أن الفارق بين الانغماس والعملية الاستشهادية هو أن المنغمس في صف العدو يقتل بيد العدو والفدائي يقتل بيده، وهذا الفارق ليس له أثر في الحكم على المسألة، وسنبين ذلك فيما بعد.
وفي هذا الفصل سننقل لمريد الحق بعض أقوال السلف حول المسألة التي تتفرع عنها العمليات الاستشهادية، وسننقل أيضًا بعض تعليقات العلماء على بعض الأدلة التي مضت، ومنعًا للتكرار فإننا سننقل كلام العلماء، وما كان من أقوالهم فيه من الأدلة ما أوردناه سابقًا لن نذكر الدليل بطوله في الفتوى ولكننا سنشير في فتواه إلى رقم الدليل بين قوسين على حسب ترتيبنا لها في الفصل السابق.
1 -روى ابن المبارك وابن أبي شيبة 5/ 303 بسند صحيح عن مدرك بن عوف الأحمسي قال: كنت عند عمر رضي الله عنه، إذ جاءه رسول النعمان بن مقرن فسأله عمر عن الناس، فقال: أصيب فلان وفلان وآخرون لا أعرفهم، فقال عمر رضي الله عنه: لكن الله يعرفهم، فقال: يا أمير المؤمنين! ورجل شرى نفسه، فقال مدرك بن عوف: ذاك والله خالي يا أمير المؤمنين، زعم الناس أنه ألقى بيده إلى التهلكة، فقال عمر: كذب أولئك، ولكنه ممن اشترى الآخرة بالدنيا، وذكر البيهقي أن ذلك كان يوم نهاوند.
2 -وروى ابن أبي شيبة في مصنفه 5/ 322 عن ابن عون عن محمد قال: جاءت كتيبة من قبل المشرق، من كتائب الكفار، فلقيهم رجل من الأنصار، فحمل عليهم، فخرق الصف حتى خرج، ثم كر راجعا، فصنع مثل ذلك مرتين أو ثلاثًا، فإذا سعد بن هشام، يذكر ذلك لأبي هريرة، فتلا هذه الآية (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله) .
3 -وخرج الحاكم في كتاب التفسير 2/ 275 وابن أبي حاتم 1/ 128 عن أبي إسحاق عن البراء رضي الله عنه، قال له رجل: يا أبا عمارة، قوله تعلى (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) أهو الرجل يلقى العدو فيقاتل حتى يقتل؟ قال: لا ولكنه الرجل يذنب الذنب قيقول: لا يغفره الله لي. قال الحاكم صحيح على شرطهما.
4 -وفي رواية لابن عساكر وغيره في هذا الحديث قال أبو إسحاق سمعت البراء وسأله رجل عن الآية (ولا تلقوا بأيدكم إلى التهلكة) هو الرجل يحمل على الكتيبة وهم ألف والسيف بيده؟ قال: لا ولكنه رجل يصيب الذنب فيلقي بيده ويقول: لا توبة لي.
5 -وقد روى هذا التأويل للآية ابن جرير في تفسيره 3/ 584 عن حذيفة و ابن عباس و عكرمة و الحسن و عطاء و سعيد ابن جبير و الضحاك و السدي و مقاتل وغيرهم رضي الله عنهم أجمعين.
6 -وقد روى ابن أبي شيبة في مصنفه بإسناد جيد 5/ 331 عن مجاهد قال: إذا لقيت العدو فانهد فإنما