فهرس الكتاب
شريكًا في إزهاق نفسه، صحيح أنه لم يزهقها بيده، ولكن رأيه هو السبب الوحيد لقتله، كما لو أن رجلًا طلب من آخر أن يقتله بسبب جزعه من الدنيا، لقلنا أنه منتحر بالاتفاق ولا عبرة بمن قتل، لأنه هو الذي طلب من الآخر أن يقتله وتساعد معه على ذلك، والمتسبب بالقتل شريك للقاتل وعليه القود عند جمهور العلماء كما سيأتي.
ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أثنى على هذا الغلام، دل ذلك أن الفرق بين الفعلين هو النية، فمدح الغلام الذي تسبب بقتل نفسه لإعزاز الدين، وهذا دليل واضح جلي على جواز ذلك، وجواز العمليات الاستشهادية.
وكذلك أثنى الله على الذين آمنوا برب الغلام، وكان يقال لهم ارجعوا عن دينكم أو ألقوا أنفسكم في النار، فكانوا يقتحمون في النار، نصرًا للدين وإيثارًا لدينهم على دنياهم، بل إن الرضيع نطق يحث أمه على الإقدام لما ترددت عن اقتحام النار، وما أنطق الله الطفل إلا بالحق، وأنزل الله فيهم سورة تتلى ونعتهم بقوله (لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ذلك الفوز العظيم) فهم فدوا الدين بأنفسهم وفازوا.
وفعل الغلام وأصحاب الأخدود، نضير لقصة ماشطة ابنة فرعون (الدليل 5) ، وكلهم أثنى على فعلهم الشارع، وأقدمت الماشطة على الموت وآثرت ما عند الله وأنطق الله رضيعها ليحثها على الإقدام لما تقاعست من أجله.
ولقد سقنا من الأدلة ما يؤيد هذين الحديثين من شرعنا، ولم يأت من شرعنا ما يعارض بذل النفس لأجل إعلاء كلمة الله، فكان ما في مضمون الحديثين شرعًا لنا على قول الجمهور.
28 -وفي قصة عبدالله ابن الزبير في تصارعه مع الأشتر التي رواها الطبري (دليل 33) ، شاهد على رسوخ مسألة فداء الدين بالنفس إذا كانت المصلحة تقتضي ذلك، علمًا أن الأشتر كان باغيًا ولم يكن كافرًا، ولكنه هو الذي ألب الناس على أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه، فلما ظفر عبد الله بن الزبير به يوم الجمل رأى أن قتله سيخمد الفتنة، لذا أراد أن يفدي بنفسه من أجل إخماد الفتنة، فلما حاول الأشتر التفلت من بين يدي ابن الزبير قال ابن الزبير قولت المشهورة (اقتلوني ومالكًا) - أي الأشتر -، لأن من أراد أن يقتل الأشتر من أصحاب عبدالله أثناء الصراع لا يمكن أن يفرد الأشتر بضربة تقتله، فعلم عبدالله أن هذا مانع لأصحابه من عدم قتل الأشتر وحده، فأمرهم بذلك، وأراد أن يفدي بنفسه من أجل قتل باغ هو رأس في الفتنة كل ذلك لمصلحة الدين، وما أظن من كان هذا فقهه لنصر الدين أن يتردد لحظة بتفجير نفسه إذا كان في ذلك مصلحة للدين كهذه، ولم ينقل لنا أن أحدًا اعترض على ابن