فهرس الكتاب
الزبير طلبه أن يقتل مع الأشتر درءً للفتنة وتخليصًا للمسلمين من رجل واحد، ونعلم أن عدم النقل لا يعني نفي الاعتراض، ولكن هذا مما يستأنس به.
29 -وفي قصة إلقاء البراء بن مالك من فوق حصن اليمامة (دليل 26) دليل على عدم اعتراضالصحابة على هذا النوع من العمليات، فإن البراء حمل في الترس وألقي من فوق الحصن على العدو، ومعلوم أن الإلقاء وحده من فوق الحصن ربما يسبب الهلاك فكيف إذا كان في الحصن جملة من الجند وقد تأهبوا وتسلحوا، وفعل البراء هذا لا يساور من سمع به الشك أن فاعله سيهلك إما من إلقائه أو من الجند الذين تأهبوا له، ورغم ذلك لم يعترض لا أمير الجيش ولا أحد من الصحابة، على ذلك رغم غلبة الظن بهلاكه.
30 -وفي حديث مما يضحك الرب (دليل 7) دليل أوضح على غلبة الظن بالهلاك، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم أرشد عوف بن عفراء أن الذي يضحك الرب هو أن يغمس يده في العدو حاسرًا، أي بلا درع ولا شيء يقيه ضربة الأعداء، فنزع عوف درعًا كانت عليه وقاتل حتى قتل، ولا شك أنه يغلب على الظن قطعًا أن الرجل إذا أراد أن يقاتل جمعًا كثيرًا من الأعداء بغير درع لا شك أن الجزم بهلاكه محقق إلا أن يشاء الله، ولكن الحكم في هذه المسألة على غلبة الظن كما قال ابن قدامة فيما قدمنا.
وهذا الأسلوب في الحرب لم يحدث بين يدي الرسول مرة واحدة بل أقدم على ذلك عمير بن الحمام يوم بدر (دليل 14) وكذلك أنس بن النضر في أحد (دليل 15) وقوله صلى الله عليه وسلم للرجل الذي نجا من بئر معونة يحثه على الإقدام (دليل 18) وحدث ذلك أيضًا بين يدي الصحابة كما حدث لأبي موسى (دليل 32) ولعمرو بن العاص (دليل 35) وعقر جعفر لفرسه يدل على ذلك أيضًا (دليل 28) والرجل الذي تصدى للفيل يوم الجسر (دليل 34) ، كل هذه الأدلة تفيد بأن مسألة الاقتحام على العدو مع تيقن الموت كانت مسألة مشتهرة في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم وفي زمن أصحابه، إلا أنه لم ينقل لنا أحد من العلماء ما يفيد بمنع مثل ذلك إذا تيقن المهاجم الموت، فدل ذلك على الجواز.
31 -إن حماية الدين أعظم ما يقوم به المجاهد لإعلاء كلمة الله، ولقد جاءنا مالا يدع مجالًا للشك بجواز فداء المجاهد لدينه بنفسه، إلا أننا نشير إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد حمي بأنفس الصحابة يوم أحد ولم ينكر ذلك، ولم يدل دليل على خصوصية النبي صلى الله عليه وسلم بهذ الفعل، ففي قصة حماية أبي دجانة للرسول بنفسه ليكون ترسًا له من النبل (دليل 21) وقول أبي طلحة للرسول صلى الله عليه وسلم: نحري دون نحرك (دليل 22) ودفاعه عنه حتى شلت يده التي وقى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم (دليل 23) كل هذا يفيد أيضًا جواز فداء الأشخاص بالأنفس إذا كان يحدث من قتلهم ضرر على المسلمين أو الدين.