الصفحة 62 من 65

لبطلت صلاة الإمام وقبلت صلاة المأموم، فالعمدة في ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم كما جاء عن عمر في الصحيحين (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما ... نوى) .

فالنية هي مناط تغير الحكم والتفريق بين المتماثلين ظاهرًا في الأحكام الشرعية، ومن المتماثلات لقتيل المعركة التي فرق بينها الشارع، قول الرسول صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيحين عن أبي موسى (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) فهذا بينه وبين من قال عنه الرسول صلى الله عليه وسلم فرق رغم تشابه الظاهر، وهو ما جاء عند مسلم والترمذي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أول ثلاثة تسعر بهم النار فذكر منهم مجاهد وقال:(فيؤتى به فيعرف نعمة الله فيعرفها فيقال ماذا فعلت فيقول قاتلت فيك فيقول كذبت بل قاتلت ليقال شجاع فيؤخذ فيلقى في النار على وجهه) ، فهذا ظاهره يشبه ظاهر من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، ولكنه لاختلاف الباطن استحق النار والأول استحق الجنة.

وجاء أيضًا في التفريق بين المتشابهين في الظاهر، ما رواه البخاري ومسلم عن سهل بن سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في غزوة غزاها (من أحب أن ينظر إلى الرجل من أهل النار فلينظر إلى هذا) ، فاتبعه رجل من القوم وهو على تلك الحال من أشد الناس على المشركين حتى جرح فاستعجل الموت فجعل ذبابة سيفه بين ثدييه حتى خرج من بين كتفيه، فأقبل الرجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم مسرعًا فقال أشهد أنك رسول الله فقال (وما ذاك؟) قال قلت لفلان من أحب أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إليه، وكان من أعظمنا غناء عن المسلمين فعرفت أنه لا يموت على ذلك فلما جرح استعجل الموت فقتل نفسه فقال النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك (إن العبد ليعمل عمل أهل النار وإنه من أهل الجنة ويعمل عمل أهل الجنة وإنه من أهل النار وإنما الأعمال بالخواتيم) ، ومثيل لهذا ظاهرًا ما جاء في الصحيحين وقد قدمناه بأن عامر ابن الأكوع ارتد عليه سيفه فقُتل بسيفه وفعل نفسه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه (إنه شهيد وأنا عليه شهيد) ، فالأول قُتل بسلاحه في أرض المعركة جزعًا فوجبت له النار، والثاني قتل بسلاحه في أرض المعركة خطأ فوجبت له الجنة

هذه الأمثلة تدل دلالة واضحة على أن الحكم الشرعي للشهيد لا يتغير ولا يعتبر باليد القاتلة للمجاهد، ولا بأداة القتل إذا كان ذلك لوجه الله و بنية خالصة لإعلاء كلمة الله، فالذي قتله العدو مع سوء نيته كان في النار، وآخر قتله العدو مع إخلاصه فهو في الجنة، وآخر قتل نفسه جزعًا فهو في النار، والرابع قتل نفسه خطأً فهو في الجنة، والذي أعان على قتل نفسه لنشر الدين فهو في الجنة كالغلام،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت