فهرس الكتاب

الصفحة 2 من 5

كما يَجِبُ عَليهِ أن يَتَعَلَّمَ ما يَجُوزُ له وما يَحْرُمُ عَلَيهِ كَحُرْمَةِ قَتل النساءِ والصبْيان؛ وأن الأصْلَ في الدماءِ العِصْمَةُ؛ ولا يجوزُ اسْتِباحَةُ شيئٍ مِنْها إلا بدَليلٍ بيَّنٍ من كتابٍ أو سُنةٍ صَحيحةٍ ثابتةٍ عن رسولِ الله صلّى الله عليه وسلم، فإن استباحَةَ دِماءِ المُسلِمِينَ الْمُقِرِّينَ بالشهادتينِ من غَيْرِ بُرْهانٍ قائمٍ وحُجّةٍ ناهضَةٍ عظيمٌ في الدينِ، وليسَ كلُّ من حَفِظَ شيئًا من الآياتِ أو الأحاديثِ جازَ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ أوْ يستدلَّ حتى يأتِيَ في ذلك بما يُوافِقُ قواعدَ الشريعةِ الْمُحرّرةِ الْمُقَرَّرَةِ، ويَجْريَ مَجْرى العُلَماءِ في بِنَاءِ الفُرُوعِ على الأُصول، ويَسْلُكَ مَسْلَكَ التَّحْقِيقِ والتدْقِيقِ فِي ذِكْرِ مَا لَهُ وَمَا عَلَيْهِ، مع الدِّيانة الْمَتِينَةِ، والوَرَعِ القَوِيِّ، فهذَا هوَ الراسِخُ فِي العلمِ الذي تُرَدُّ إليهِ الفَتْوى، والذي أُمِرْنا بِسُؤَالِهِ والرُّجوعِ إليه، وأما مَنْ سِواهُ مِمَّنْ يَشْدُوا مسألةً ويُفْتِي في عَشْر!؛فَواجبٌ على منْ بَسَطَ اللهُ يدَهُ بالعِلْمِ وأنعمَ علَيْهِ بالقُدْرَةِ والسلطانِ أنْ يَحْجُرَ عليه صيانةً للشرْعِ وحِفْظًا للدينِ؛ كما أَفْتَى به الأئمةُ رَحِمَهُمُ الله.

واعْلَمْ أن مَقامَ الفَتْوَى لا يَحْصُلُ إلا بِمُثابَرَةٍ فِي الطَلّبِ وجَلَدٍ عَلَيْهِ وطُُولِ خِبْرَةٍ ومِراسٍ، حتى قالَ بعضُ من مَضَى: حَضانَةُ العِلْمِ عِشْرُونَ!؛ ويَعْنِي عَشرينَ عامًا، وتلكَ هِيَ الحَضانَةُ فقط!، ثمَّ يَزيدُ اللهُ مَنْ شاءَ ما شاء.

ونحنُ في زَمَانٍ تعاظَمَ فيهِ الجَهْلُ، وقلَّ فيه العِلْم، وندَرَ العُلَماءُ العامِلُونَ؛ والدعاةُ الصادِقُون، وفشا فيه الكفرُ والظلمُ المانِعَانِ من تَبْلِيغِ الحقِّ للناسِ، وكلُّ ذلكَ من مَوانِعِ حُصُولِ العِلْمِ كما قرّرَهُ عُلماؤنا رحمهم الله، ومُرَاعاة هذا في السياسةِ الشَّرْعِيَّةِ وفِي أَحْكامِ النوَازِلِ مما لا يَسَعُ العلماءَ والأمراءَ تَرْكُهُ، وبالله التوفيق.

فإن أشكلَ في أَمْرِ الدماءِ شيئٌ وجبَ الاحْتِياطُ، والعُدُولُ إلى العَفْوِ خَيْرٌ مِن الْجُنُوحِ إلى العُقُوبَة، وعلى هذا كَلِمَةُ الأئمة رحمهمُ الله، وهذا بيانٌ لبَعضها:

قال الغزاليُّ في كتابِ التفْرِقَةِ بين الإسلامِ والزَّنْدَقَة: الذي ينبغي الاحترازُ عن التكفيرِ ما وَجَدَ إليه سَبِيلًا، فإنَّ استباحَةَ دِماءِ الْمُصلِّينَ الْمُقِرِّينَ بالتوْحِيدِ خطأٌ، والخطأُ في تركِ أَلْفِ كافِرٍ في الحياة أهونُ من الخطأ في سَفْكِ دَمٍ لِمُسْلِمٍ واحدٍ!!.

وقال القُرطبي في الْمُفهِم: وبابُ التكْفِيرِ خَطَرٌ ولا نَعْدِلُ بالسلامَةِ شيئًا.

وقد سألَ الفقيهُ عبدُ الحَقِّ الإمامَ أبا المعالِي الْجُوَيْنِيَّ عنْ تكفيرِ الخوارِجِ فاعْتَذَرَ بأنَّ إدخالَ كافرٍ في الملةِ وإخْرَاجَ مُسْلِمٍ عنها عظِيمٌ فِي الدين.

وقَدْ سُئِلَ عَنْ نَحْوِ هذا القاضي أَبُو بَكْرٍ الباقلانِيُّ فَتَوَقَّفَ فيه، وقال: لَمْ يُصَرِّحِ القومُ بالكُفر، وإنّما قالُوا أَقْوالًا تُؤَدِّي إلى الكُفر.

وقالَ العَلامَةُ ابنُ عابِدينَ الحَنَفِيُّ في عُقُودِ رَسْمِ المُفْتِي:

وكُلُّ قَوْلٍ جاءَ يَنْفِي الكُفْرا ... عنْ مُسْلِمٍ ولَوْ ضِعِيفًا أَحْرَى.

ونَشْرُ مِثْلِ هذا بَيْنَ الْمُسْلِمينَ عامةً والْمُجاهِدِينَ خاصَّةً مما يَحْفَظُ اللهُ بهِ الجهاد، ويَقِيهِ بِهِ عَنِ الوُقُوعِ في مَدَاحِضِ الأهْواءِ ومَزَالِقِ الشُّبُهَات، ويَحْفَظُهُ من مَصَارعِ السوءِ!، ولا يَخْفَى أنّ النفوسَ مجبولَةٌ على حُبِّ التَّمَلُّكِ والتَّسَلُّطِ، وهذا مِنْ أعظمِ أسبابِ العُدْوانِ والظلم؛ مالَمْ يَزَعْها دينٌ زَاجِرٌ أو يَرْدَعْها سُلْطانٌ قاهِر، والْجُرْأَةُ على الدماءِ قَرِينَةُ الجهلِ، -

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت