بسم الله الرحمن الرحيم
الرسالةُ الأوْلَى: (فِقْهُ الجهادِ عَلَى قَدْرِ فَضْلِهِ) .
حَمْدًا للهِ وبَعْد:
فَلا يُنازِعُ أحَدٌ فِيما للجِهادِ مِنَ المَكانَةِ فِي الشرْعِ؛ ولا فِيما وَرَدَ فِي فَضْلِهِ مِنَ الآياتِ القرْآنِيَّةِ والأحاديثِ النبَوِيّة، وحَسْبكَ أن تَعْلَمَ أنَّ نَحْوَ الربُعِ من آياتِ القرْآنِ الكَريمِ تَحَدثَتْ عنه!، بل سمِعْنا من مَشايِخِنا وقْتَ الطلَبِ أنَّ مَقاصِدَ القُرْآنِ أرْبَعَة:
-تَحقِيقُ التوْحيدِ؛ وإنما شُرعَ الجِهادُ إقامَةً لهذه الغايَة!.
-وإثباتُ النبُوات؛ وآخِرُها نُبُوَّةُ خاتَمِ الأنبِياءِ صلوتُ اللهِ وسَلامُهُ عَليه؛ وقَدْ عَلِمْتَ ما بُعِثَ بِهِ مِن الجِهاد.
-وبَيانُ أحكامِ الحَلالِ والحَرام؛ والجِهادُ واجبٌ لإقامَتِها؛ وقدْ دلَّ عَلى ذلك الكتابُ والسنَّةُ والإجماع.
-وبَيانُ الآدابِ والمُعامَلات؛ وهِيَ إصْلاحٌ للمَنْزِلِ؛ لِيَكُونَ أهْلُ الإسلامِ أفْرَغَ لِقِتالِ عَدُوِّهِم؛ إذ كَيفَ تُقاتِلُ الأمَّةُ عَدوَّها وقد اضطرَبَ حالُها وفَسدَ داخِلُها؟!.
هذا خُلاصَةُ ما سَمِعْتُهُ مِنْ شَيخِنا المُعَمِّرِ إكرامِ الدينِ البدَخْشِيِّ السلَفِيِّ أيامَ الطلبِ وقدْ جاوَزَ الآنَ المائَةَ من العَمُرِ نَفعَ اللهُ به؛ ولهُ تَفْسيرٌ بالعَربِيةِ مَخْطوطٌ في نحوِ عَشرِ مُجلَّدات، وسمعْتُ نَحْوهُ من غيرِهِ من مشايخِنا أيضا؛ وهُوَ كثيرٌ في كلام العلماءِ كالغزالِيِّ في جَواهِر القُرآنِ والفَخْرِ الرازِيِّ في تَفِسيرِهِ والسيوطِيِّ في الإتقانِ وفي أسرارِ ترتيبِ القرآنِ وغَيرِها من الكُتُبِ؛ بل لا يَكادُ كِتابٌ من كُتِبِ التفْسيرِ وعلُومِ القرآنِ يَخْلُو عنه.
وإذا عَلِمْتَ هذا فاعْلَمْ أيضا أن الجِهادَ سَواءٌ ما كان مِنهُ فَرضًا أو ندبًا عِبادَةٌ مُتَعَدِّيَةُ النفْعِ؛ وكلُّ ما تَعدَّى نَفْعُهُ تَعَدى ضَرُرُهُ مَتى وقَعَ مخالِفًا للوَجْهِ المَشْروع، وقد نبهَ على ذلك النووِيُّ وابنُ تَيمِيَةَ والسيوطِيُّ رحمَهم الله.
غَيرَ أَنَّنِي رأيتُ كثيرينَ مِمَّنْ أنْعَمَ الله عليْهم وهُدُوا إلى القِيامِ بِهَذهِ الفَريضَةِ لا يَعْرِفُونَ من الجِهادَ إلا فَضْلَهُ؛ وما وَرَدَ في ذلكَ مِنَ الآياتِ والأحاديثِ!؛ فإنْ سألْتَ أحدَهم عن حُكْمٍ من أحكامِ الجهادِ العامَّةِ الظاهِرَةِ لَمْ يَدْرِ ما يَقُول!؛ وبَعْضُهُمْ رُبما مَرّتْ علَيْهِ الأعْوامُ الطوالُ في الثغُورِ وهو علَى حالِهِ هذا!؛ وللهِ الأمرُ من قَبْلُ ومِنْ بعد.
وما مَثَلُ هذا إلا كَمَنْ عَرَفَ أنَّ الصلاةَ ركْنٌ من أرْكانِ الدينِ؛ وأنها الفارِقُ بَيْنَ الشركِ والإسلامِ؛ وعَرَفَ ما وَرَدَ فِي فَضْلِها وثَوابِها؛ لكنَّهُ لا يُحْسِنُ يَصَلِّي؛ ولَمْ يَتَعَلمْ أحكامَ الصلاةِ كما جاءَ بها الشرْعُ المُطَهّر، فإنَّهُ لا يَزالُ يُقالُ لهُ كما قالَ النبِيُّ صلَّى اللهُ عَلَيهِ وسلم للمُسيءِ صَلاتَهُ: إرْجٍعْ فَصَلِّ فإنكَ لمْ تَصَل!.
وأنا لا أُجارِي هُنا بما حَكَيْتُهُ عن بَعْضِ المُجاهِدينَ مَنْ يَصدُّ عَنِ القيامِ بَفَرْضِ الجهادِ في سَبيلِ اللهِ بِمِثْلِ هذهِ الدَّعْوى، بلْ عَلَى منْ تَبَيَّنَ لهُ الحالُ مِنَ العُلَماءِ أنْ يَنْفِرَ إلى المُحتاجِينَ إليه مَن المُجاهِدينَ؛ والنفِيرُ أوْجَبُ عليهِ من غَيره، وما العَمَلُ بالعِلْمِ إلا هذا، وإنما أريدُ التنْبِيهَ عَلَى وُجُوبِ تَعَلُّمِ أحكام الجِهادِ لِمَنْ وَجَبَ الجِهادُ علَيهِ.
فإن قُلْتَ: ما الواجبُ عَلَى مَنْ نَفَرَ إلى الجِهادِ تَعَلُّمُه، وما السبيلُ إليه؟!.
قلتُ: أما تعلمُ أحكامِ الجهاد؛ فالمجاهِدُونَ فيه فريقان:
أما الأول: فَعُمُومُ المُجاهِدينَ؛ وهؤلاء يكفِي الواحِدَ مِنْهم أنْ يتَعَلَّمَ أحكامَهُ الكُلِّيَّةَ العامَّة؛ فَيعْرِفَ مَقاصِدَهُ؛ ويَعْرِفَ آدابَه الواجبَةَ عَلَيه: كالنِيَّةِ؛ والطاعَةِ؛ وَوُجُوبِ الوفاءِ بالعهْدِ والأمان؛ ووُجُوبِ الثباتِ عِنْدَ الزحْفِ؛ وما يَجِبُ عَلَيْهِ من تَجَنُّبِ الفساد.