الحمد لله الذي يرى ما لا نرى وترون، القائل: (يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ) [الأعراف: 26] ، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه خير القرون، أما بعد:
فقد أخبرني أحد الإخوان، عن بعض مرجئة الزمان:"أن السواد لباس أهل النار!". فاستنكرت عليه هذا الهرار، الذي تفوه به ذلك المرجئ حنقًا على الآساد، من أهل الجهاد، حيث اشتهر عنهم لبس السواد.
إن الذي سمكَ السماء بنى لنا *** (مجدًا) دعائمُه أعزُّ وأطولُ
حللُ الملوكِ لباسُنا في أهلنا *** والسابغاتُ إلى الوغى نتسربلُ [1]
وقلت له: أنىّ له هذا؟! فهذا الكلام من الغيبيات التي لا تثبت إلا بالسماع، لا بمحض الرأي والابتداع، ورحم الله الإمام الأوزاعي، حين أغلق الباب في وجوه أهل الغي والعي، فقال:"ما ذهاب العلم إلا ذهاب الإسناد".اهـ ورحم الله العالم المبارك، عبد الله بن المبارك حين قال:"إن هذا الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء".اهـ [رواه مسلم في مقدمة صحيحه] .
ومع هذا فقد بذلت جهدي، لعلي إلى تلك المقولة أهتدي، فلم أعثر عليها في الأمهات التي بين يدي.
وغاية ما وجدت هو قول المفسرين عند قوله تعالى: (وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الأصْفَادِ * سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ) [إبراهيم: 49 - 50] .
فقد"كان ابن عباس يقول: القَطران هو: النحاس المذاب، وربما قرأها: (سَرَابيلهم من قَطِران) أي: من نحاس حار قد انتهى حره. وكذا روي عن مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جُبَير، والحسن، وقتادة".اهـ [وانظر: تفسير الطبري، وابن كثير، والقرطبي، والبغوي، وغيرها من التفاسير] .
(1) انظر: ديوان الفرزدق ص79, وما بين القوسين من تصرف العبد الفقير, بدل قوله:"بيتًا".اهـ