وقد شرع الله تعالى لعباده أحكامًا تنظم شؤونهم السياسية، وترسم لهم المسار الذي يسيرون عليه وهم يتعاملون مع الأمم والممالك، يهادنون وفقها ويحاربون، ويُنصّبون في ضوء هدايتها ويعزلون، ويسوسون شعوبهم على أساسها، فيفصلون في الخصومات ويفضّون المنازعات، ويَجْبون الأموال من مواردها ويردّونها في مصارفها، ويقطعون دابر الفساد، ويحسمون مادة البغي والعناد، فبقوا على ذلك أكثر من عشرة قرون دون أن يحتاجوا إلى استعارة قوانين الكفار، أو التسول من دساتير المضلين، إلى أن نبتت نابتة العلمنة، وذَرّ قَرْن التبعية لأعداء هذه الأمة، ودخل كثير من المسلمين جحر الضب الذي حذرهم منه رسولنا صلى الله عليه وسلم في قوله: [لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟] (أخرجه البخاري - كتاب الأنبياء - باب ما ذكر عن بني إسرائيل، كتاب الاعتصام - باب قول النبي صلى الله عليه وسلم لتتبعن سنن من كان قبلكم. ومسلم - كتاب العلم - باب اتباع سنن اليهود والنصارى. وأحمد: 11817، 11861، 11916 كلهم من حديث أبي سعيد. وأخرجه أحمد: 8322. وابن ماجه - كتاب الفتن - باب افتراق الأمم، كلاهما من حديث أبي هريرة.)
ولابد من التنبيه إلى أن كثيرًا مما كتب في هذا الموضوع من قبل المعاصرين قد شابته شوائب الانهزام أمام الهيمنة الفكرية التغريبية، وضغط الواقع الذي تعيشه أمتنا.
كما أن هناك بعض التجارب الفجة التي تسربلت بسربال إقامة الخلافة، وهي إلى الجنون أقرب، أو بالأضحوكات أشبه، فهذا يظن أن مصافحة رجل لآخر قرشي تبوئه منصب الخلافة، وتزين مفرقه بتاج إمارة المؤمنين! دون اعتبار للشوكة والمنعة والقدرة على إنفاذ مقاصد الخلافة، وآخر يريد أن يقيم الخلافة في بلاد أوربا بالتثقيف السياسي والمناظرات الفارغة عن المضمون، والترهات لا تنتهي ...