الصفحة 90 من 243

وحكى بعضهم قولًا بجواز تعدد الأئمة إذا تباعدت الأقطار، والذي يظهر لي -والله تعالى أعلم - أن هذا القول يمكن رده إلى القول الأول بحمل هذا على حال الضرورة.

قال القرطبي رحمه الله: [فأما إقامة إمامين أو ثلاثة في عصر واحد وبلد واحد فلا يجوز إجماعًا .. قال الإمام أبو المعالي: ذهب أصحابنا إلى منع عقد الإمامة لشخصين في طرفي العالم .. قال: والذي عندي فيه أن عقد الإمامة لشخصين في صقع واحد متضايق الخطط غير جائز وقدحصل الإجماع عليه، فأما إذا بعد المدى، وتخلل بين الإمامين شسوع النوى فللاحتمال في ذلك مجال، وهو خارج عن القواطع، وكان الأستاذ أبو إسحاق يجوّز ذلك في إقليمين متباعدين غاية التباعد، لئلا تتعطل حقوق الناس وأحكامهم] الجامع لأحكام القرآن 1/ 273

فأنت ترى أن القول بالجواز معلق بخوف تعطل حقوق الناس وأحكامهم، وذلك بسبب البعد الشاسع، فلعل الأولى عدم تعليق الجواز على مجرد تباعد الأقطار، لا سيما في هذا العصر الذي تغيرت فيه الأحوال ولم يعد مجرد التباعد مانعًا من الاجتماع.

ولعل الأولى تعليق الجواز بحال الضرورة، فيقال: إن كان البعد عائقًا من ذلك، أو مدعاة لضياع الحقوق إن علقنا نفاذ الأحكام السلطانية على وجود إمام واحد للأمة كلها، فيجوز اعتبار كل أمير أو سلطان في بلاده بمثابة خليفة لهم، هذا مع صدق النية في الاجتماع تحت إمام واحد، عملًا بالأدلة الشرعية، والضرورة الواقعية، على حد سواء، وها نحن نرى عصر التكتلات يطل برأسه، ويسعى كل تكتل لتحقيق مصالحه على حساب الآخرين. فالمسلمون أولى بالاجتماع كما قال تعالى: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير} الأنفال: 73

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت