إلى غير ذلك من الأحاديث الصحيحة التي رواها بضعة وعشرون صحابيًا، وهي أحاديث متواترة كما بين ذلك أهل العلم.
وأما رؤية الله تعالى في الدنيا فإنها جائزة عقلًا، لكنها غير واقعة شرعًا، لقول النبي صلى الله عليه وسلم محذرًا من الدجال: (تعلمون أنه لن يرى أحدكم ربه حتى يموت، وإنه مكتوب بين عينه"ك ف ر"يقرؤه من كره عمله) ، رواه الترمذي وقال: (حديث حسن صحيح) .
وليس في هذا خلاف بين أهل السنة إلا ما روي عن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه ليلة المعراج.
والصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى نورًا وهو الحجاب. كما روى مسلم في الصحيح عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قد سألته - أي عن رؤيته لربه - فقال: (رأيت نورًا) .
وفي مسلم أيضًا من حديث أبي ذر قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك؟ قال: (نور أنى أراه) ، أي كيف أراه!
وقد دل على أن النور هو الحجاب قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم: (إن الله عز وجل لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه، ويرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه) . وسبحات وجهه، أي: نوره وجلاله وبهاؤه.
قال النووي رحمه الله في شرحه على مسلم: (اعلم أن مذهب أهل السنة بأجمعهم أن رؤية الله تعالى ممكنة غير مستحيلة عقلًا، وأجمعوا أيضًا على وقوعها في الآخرة، وأن المؤمنين يرون الله تعالى دون الكافرين، وزعمت طائفة من أهل البدع المعتزلة والخوارج وبعض المرجئة أن الله تعالى لا يراه أحد من خلقه، وأن رؤيته مستحيلة عقلًا، وهذا الذي قالوه خطأ صريح وجهل قبيح، وقد تظاهرت أدلة الكتاب والسنة وإجماع الصحابة ومن بعدهم من سلف الأمة على إثبات رؤية الله تعالى في الآخرة للمؤمنين، ورواها نحو من عشرين صحابيًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وآيات القرآن فيها مشهورة، واعتراضات المبتدعة عليها لها أجوبة مشهورة في كتب المتكلمين من أهل السنة ... وأما رؤية الله تعالى في الدنيا فقد قدمنا أنها ممكنة، ولكن الجمهور من السلف والخلف من المتكلمين وغيرهم أنها لا تقع في الدنيا ... ) انتهى كلام النووي رحمه الله تعالى.
والله أعلم
[عن مركز الفتوى > الشبكة الإسلامية > بإشراف د. عبد الله الفقيه > 16 صفر 1420 هـ]