ومعلوم قطعا؛ أن إيمان الخوارج بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم أعظم من إيمانهم، فإذا كان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه قد قتلهم ونهب عسكره ما في عسكرهم من الكراع والسلاح والأموال، فهؤلاء أولى أن يقاتلوا وتؤخذ أموالهم كما أخذ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أموال الخوارج.
ومن اعتقد من المنتسبين إلى العلم أو غيره؛ أن قتال هؤلاء بمنزلة قتال البغاة الخارجين على الإمام بتأويل سائغ، كقتال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب لأهل الجمل وصفين، فهو غالط جاهل بحقيقة شريعة الإسلام وتخصيصه هؤلاء الخارجين عنها، فإن هؤلاء لو ساسوا البلاد التي يغلبون عليها بشريعة الإسلام كانوا ملوكا كسائر الملوك.
وإنما هم خارجون عن نفس شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته شرا من خروج الخوارج الحرورية، وليس لهم تأويل سائغ، فإن التأويل السائغ هو الجائز الذي يقر صاحبه عليه إذا لم يكن فيه جواب، كتأويل العلماء المتنازعين في موارد الاجتهاد، وهؤلاء ليس لهم ذلك بالكتاب والسنة والإجماع، ولكن لهم تأويل من جنس تأويل مانعي الزكاة والخوارج واليهود والنصارى، وتأويلهم شر تأويلات أهل الأهواء.
ولكن هؤلاء المتفقهة؛ لم يجدوا تحقيق هذه المسائل في مختصراتهم، وكثير من الأئمة المصنفين في الشريعة لم يذكروا في مصنفاتهم قتال الخارجين عن أصول الشريعة الاعتقادية والعملية، كمانعي الزكاة والخوارج ونحوهم، إلا من جنس قتال الخارجين على الإمام، كأهل الجمل وصفين، وهذا غلط، بل الكتاب والسنة وإجماع الصحابة فرق بين الصنفين كما ذكر ذلك أكثر أئمة الفقه والسنة والحديث والتصوف والكلام وغيرهم.
وأيضا؛ فقد جاءت النصوص عن النبي صلى الله عليه وسلم بما يشملهم وغيرهم.
مثل ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم الله: (من خرج من الطاعة وفارق الجماعة ثم مات، مات ميتة جاهلية، ومن قتل تحت راية عمية، يغضب للعصبية ويقاتل للعصبية، فليس مني، ومن خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها ولا يتحاشى من مؤمنها ولا يفي لذي عهدها، فليس مني) .
فقد ذكر صلى الله عليه وسلم البغاة الخارجين عن طاعة السلطان وعن جماعة المسلمين وذكر أن أحدهم إذا مات مات ميتة جاهلية، فإن أهل الجاهلية لم يكونوا يجعلون عليهم أئمة، بل كل طائفة تغالب الأخرى، ثم ذكر قتال أهل العصبية كالذين يقاتلون على الأنساب، مثل قيس ويمن، وذكر أن من قتل تحت هذه الرايات فليس من أمته، ثم ذكر قتال العداة الصائلين والخوارج ونحوهم وذكر أن من فعل هذا فليس منه.
وهؤلاء جمعوا هذه الثلاثة الأوصاف وزادوا عليها، فإنهم خارجون عن الطاعة والجماعة؛ يقتلون المؤمن والمعاهد لا يرون لأحد من ولاة المسلمين طاعة، سواء كان عدلا أو فاسقا، إلا لمن لا وجود له، وهم يقاتلون لعصبية شر من عصبية ذوي الأنساب، وهي العصبية للدين الفاسد، فإن في قلوبهم من الغل والغيظ على كبار المسلمين وصغارهم وصالحيهم وغير صالحيهم ما ليس في قلب أحد، وأعظم عبادتهم عندهم لعن المسلمين من أولياء الله، مستقدمهم ومستأخرهم، وأمثلهم عندهم الذي لا يلعن ولا يستغفر.
وأما خروجهم يقتلون المؤمن والمعاهد؛ فهذا أيضا حالهم، مع دعواهم أنهم هم المؤمنون وسائر الأمة كفار.
وروى مسلم في صحيحه عن محمد بن شريح قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنه ستكون هناة وهناة، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع، فاضربوه بالسيف كائنا من كان) ، وفي لفظ: (فاقتلوه) ، وفي لفظ: (من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم ويفرق جماعتكم فاقتلوه) .
وهؤلاء أشد الناس حرصا على تفريق جماعة المسلمين؛ فإنهم لا يقرون لولي أمر بطاعة، سواء كان عدلا أو فاسقا، ولا يطيعونه لا في طاعة ولا في غيرها، بل أعظم أصولهم عندهم التكفير واللعن والسب لخيار ولاة الأمور، كالخلفاء الراشدين والعلماء المسلمين ومشايخهم، لاعتقادهم أن كل من لم يؤمن بالإمام المعصوم الذي لا وجود له فما آمن بالله ورسوله.
وإنما كان هؤلاء شرا من الخوارج الحرورية وغيرهم من أهل الأهواء لاشتمال مذاهبهم على شر مما اشتملت عليه مذاهب الخوارج، وذلك لأن الخوارج الحرورية كانوا أول أهل الأهواء خروجا عن السنة والجماعة، مع وجود بقية الخلفاء الراشدين وبقايا المهاجرين والأنصار وظهور العلم والإيمان والعدل في الأمة وإشراق نور النبوة وسلطان الحجة وسلطان القدرة، حيث أظهر الله دينه على الدين كله بالحجة والقدرة.
وكان سبب خروجهم ما فعله أمير المؤمنين عثمان وعلي ومن معهما من الأنواع التي فيها تأويل فلم يحتملوا ذلك وجعلوا موارد الاجتهاد، بل الحسنات ذنوبا وجعلوا الذنوب كفرا، ولهذا لم يخرجوا في زمن أبي بكر وعمر لانتفاء تلك التأويلات وضعفهم.
ومعلوم أنه كلما ظهر نور النبوة كانت البدعة المخالفة أضعف، فلهذا كانت البدعة الأولى أخف من الثانية والمستأخرة تتضمن من جنس ما تضمنته الأولى وزيادة عليها، كما أن السنة كلما كان أصلها أقرب إلى النبي صلى الله عليه وسلم كانت أفضل، فالسنن ضد البدع، فكل ما قرب منه صلى الله عليه وسلم مثل سيرة أبي بكر وعمر كان أفضل مما تأخر كسيرة عثمان وعلي، والبدع بالضد كل ما بعد عنه كان شرا مما قرب منه وأقربها من زمنه الخوارج، فإن التكلم ببدعتهم ظهر في زمانه، ولكن لم يجتمعوا وتصير لهم قوة إلا في خلافة أمير المؤمنين علي رضي الله عنه.
ثم ظهر في زمن علي التكلم بالرفض، لكن لم يجتمعوا ويصير لهم قوة إلا بعد مقتل الحسين رضي الله عنه.
بل لم يظهر اسم"الرفض"إلا حين خروج زيد بن علي بن الحسين بعد المائة الأولى، لما أظهر الترحم على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما رفضته الرافضة، فسموا"رافضة"، واعتقدوا أن أبا جعفر هو الإمام المعصوم، واتبعه آخرون فسموا"زيدية"نسبة إليه.
ثم في أواخر عصر الصحابة نبغ التكلم ببدعة القدرية والمرجئة فردها بقايا الصحابة، كابن عمر وابن عباس وجابر بن عبد الله وأبي سعيد وواثلة بن الأسقع وغيرهم، ولم يصر لهم سلطان واجتماع حتى كثرت المعتزلة والمرجئة بعد ذلك.
ثم في أواخر عصر التابعين ظهر التكلم ببدعة الجهمية نفاة الصفات، ولم يكن لهم اجتماع وسلطان إلا بعد المائة الثانية في إمارة أبى العباس الملقب بالمأمون، فإنه أظهر التجهم وامتحن الناس عليه وعرب كتب الأعاجم، من الروم واليونانيين وغيرهم، وفي زمنه ظهرت"الخرمية؛ وهم زنادقة منافقون يظهرون الإسلام، وتفرعوا بعد ذلك إلى القرامطة والباطنية والإسماعيلية، وأكثر هؤلاء ينتحلون الرفض في الظاهر، وصارت الرافضة الإمامية في زمن بني بويه بعد المائة الثالثة فيهم عامة هذه الأهواء المضلة، فيهم الخروج والرفض والقدر والتجهم."
وإذا تأمل العالم ما ناقضوه من نصوص الكتاب والسنة لم يجد أحدا يحصيه إلا الله، فهذا كله يبين أن فيهم ما في الخوارج الحرورية وزيادات.
وأيضا فإن الخوارج الحرورية كانوا ينتحلون اتباع القرآن بآرائهم ويدعون اتباع السنن التي يزعمون أنها تخالف القرآن، والرافضة تنتحل اتباع أهل البيت وتزعم أن فيهم المعصوم الذي لا يخفى عليه شيء من العلم ولا يخطئ - لا عمدا ولا سهوا ولا رشدا - واتباع القرآن واجب على الأمة، بل هو أصل الإيمان وهدى الله الذي بعث به رسوله.
وكذلك أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم تجب محبتهم وموالاتهم ورعاية حقهم، وهذان الثقلان اللذان وصى بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فروى مسلم في صحيحه عن زيد بن أرقم قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بغدير يدعى خما بين مكة والمدينة فقال: (يا أيها الناس، إني تارك فيكم الثقلين) ، وفي رواية: (أحدهما أعظم من الآخر، كتاب الله فيه الهدى والنور) ، فرغب في كتاب الله، وفي رواية: (هو حبل الله من اتبعه كان على الهدى، ومن تركه كان على الضلالة، وعترتي أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي) ، فقيل لزيد بن أرقم: من أهل بيته؟ قال: أهل بيته من حرم الصدقة؛ آل العباس وآل علي وآل جعفر وآل عقيل.
والنصوص الدالة على اتباع القرآن أعظم من أن تذكر هنا.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه حسان أنه قال عن أهل بيته: (والذي نفسي بيده لا يدخلون الجنة حتى يحبوكم من أجلي) .
وقد أمرنا الله بالصلاة على آل محمد وطهرهم من الصدقة التي هي أوساخ الناس وجعل لهم حقا في الخمس والفيء.
وقال صلى الله عليه وسلم فيما ثبت في الصحيح: (إن الله اصطفى بني إسماعيل واصطفى كنانة من بني إسماعيل واصطفى قريشا من كنانة واصطفى بني هاشم من قريش واصطفاني من بني هاشم، فأنا خيركم نفسا وخيركم نسبا) .
ولو ذكرنا ما روي في حقوق القرابة وحقوق الصحابة لطال الخطاب، فإن دلائل هذا كثيرة من الكتاب والسنة.
ولهذا اتفق أهل السنة والجماعة على رعاية حقوق الصحابة والقرابة، وتبرءوا من الناصبة الذين يكفرون علي بن أبي طالب ويفسقونه وينتقصون بحرمة أهل البيت، مثل من كان يعاديهم على الملك أو يعرض عن حقوقهم الواجبة أو يغلو في تعظيم يزيد بن معاوية بغير الحق، وتبرءوا من الرافضة الذين يطعنون على الصحابة وجمهور المؤمنين، ويكفرون عامة صالحي أهل القبلة، وهم يعلمون أن هؤلاء أعظم ذنبا وضلالا من أولئك، كما ذكرنا من أن هؤلاء الرافضة المحاربين شر من الخوارج، وكل من الطائفتين انتحلت إحدى الثقلين، لكن القرآن أعظم.
فلهذا كانت الخوارج أقل ضلالا من الروافض، مع أن كل واحدة من الطائفتين مخالفة لكتاب الله وسنة رسوله ومخالفة لصحابته وقرابته ومخالفون لسنة خلفائه الراشدين ولعترته أهل بيته.
وقد تنازع العلماء من أصحاب الإمام أحمد وغيرهم في إجماع الخلفاء وفي إجماع العترة، هل هو حجة يجب اتباعها؟ والصحيح أن كليهما حجة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ) ، وهذا حديث صحيح في السنن.
وقال صلى الله عليه وسلم: (إني تارك فيكم الثقلين، كتاب الله وعترتي، وأنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض) [رواه الترمذي وحسنه وفيه نظر] .
وكذلك إجماع أهل المدينة النبوية في زمن الخلفاء الراشدين هو بهذه المنزلة.
والمقصود هنا؛ أن يتبين أن هؤلاء الطوائف المحاربين لجماعة المسلمين من الرافضة ونحوهم هم شر من الخوارج الذين نص النبي صلى الله عليه وسلم على قتالهم ورغب فيه، وهذا متفق عليه بين علماء الإسلام العارفين بحقيقته، ثم منهم من يرى أن لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم شمل الجميع ومنهم من يرى أنهم دخلوا من باب التنبيه والفحوى أو من باب كونهم في معناهم.
فإن الحديث روي بألفاظ متنوعة ففي الصحيحين - واللفظ للبخاري - عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: (إذا حدثتكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا فوالله لأن أخر من السماء أحب إلي من أن أكذب عليه، وإذا حدثتكم فيما بيني وبينكم فإن الحرب خدعة، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"سيخرج قوم في آخر الزمان حداث الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من خير قول البرية لا يجاوز إيمانهم حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم يوم القيامة") .
وفي صحيح مسلم، عن زيد بن وهب؛ أنه كان في الجيش الذين كانوا مع علي رضي الله عنه الذين ساروا إلى الخوارج، فقال علي: (يا أيها الناس إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول؛"يخرج قوم من أمتي يقرءون القرآن ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء، يقرءون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم، لا تجاوز صلاتهم تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم ما قضي لهم على لسان نبيهم لنكلوا عن العمل، وآية ذلك أن فيهم رجلا له عضد ليس له ذراع، على رأس عضده مثل حلمة الثدي عليه شعرات بيض"، والله إني لأرجو أن يكونوا هؤلاء القوم، فإنهم قد سفكوا الدم الحرام وأغاروا في سرح الناس، فسيروا على اسم الله ... ) ، وذكر الحديث إلى آخره.
وفي مسلم أيضا؛ عن عبد الله بن رافع كاتب علي رضي الله عنه أن الحرورية لما خرجت وهو مع علي قالوا؛"لا حكم إلا لله"، فقال علي: (كلمة حق أريد بها باطل، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصف ناسا إني لأعرف صفتهم في هؤلاء، يقولون الحق بألسنتهم لا يجاوز هذا منهم - وأشار إلى حلقه - من أبغض خلق الله إليه، منهم رجل أسود إحدى يديه طبي شاة أو حلمة ثدي) ، فلما قتلهم علي بن طالب قال: (انظروا) ، فنطروا فلم يجدوا شيئا، فقال: (ارجعوا، فوالله ما كذبت ولا كذبت) - مرتين أو ثلاثا - ثم وجدوه في خربة فأتوا به حتى وضعوه بين يديه.
وهذه العلامة التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم هي علامة أول من يخرج منهم ليسوا مخصوصين بأولئك القوم، فإنه قد أخبر في غير هذا الحديث؛ أنهم لا يزالون يخرجون إلى زمن الدجال، وقد اتفق المسلمون على أن الخوارج ليسوا مختصين بذلك العسكر.
وأيضا فالصفات التي وصفها تعم غير ذلك العسكر، ولهذا كان الصحابة يروون الحديث مطلقا.
مثل ما في الصحيحين عن أبي سلمة وعطاء بن يسار: أنهما أتيا أبا سعيد فسألاه عن الحرورية؛ هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرها؟ قال: (لا أدري، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"يخرج في هذه الأمة - ولم يقل منها - قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم أو حلوقهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فينظر الرامي إلى سهمه إلى نصله إلى رصافه، فيتمارى في الفوقة هل علق بها شيء من الدم") [اللفظ لمسلم] .
وفي الصحيحين أيضا عن أبي سعيد قال: (بينما النبي صلى الله عليه وسلم يقسم جاء عبد الله ذو الخويصرة التميمي) ، وفي رواية: (أتاه ذو الخويصرة رجل من بني تميم، فقال؛ اعدل يا رسول الله، فقال؛"ويلك! من يعدل إذا لم أعدل؟! قد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل"، قال عمر بن الخطاب؛ ائذن لي فأضرب عنقه، قال:"دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر إلى رصافه فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر إلى نضيه - وهو قدحه - فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر إلى قذذه فلا يوجد فيه شيء، قد سبق الفرث والدم ... ) ، وذكر ما في الحديث."
فهؤلاء أصل ضلالهم؛ اعتقادهم في أئمة الهدى وجماعة المسلمين أنهم خارجون عن العدل، وأنهم ضالون، وهذا مأخذ الخارجين عن السنة من الرافضة ونحوهم، ثم يعدون ما يرون أنه ظلم عندهم كفرا، ثم يرتبون على الكفر أحكاما ابتدعوها.
فهذه ثلاث مقامات للمارقين من الحرورية والرافضة ونحوهم، في كل مقام تركوا بعض أصول دين الإسلام حتى مرقوا منه كما مرق السهم من الرمية.
وفي الصحيحين في حديث أبي سعيد: (يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، لئن أدركتهم لأقتلهم قتل عاد) ، وهذا نعت سائر الخارجين كالرافضة ونحوهم، فإنهم يستحلون دماء أهل القبلة لاعتقادهم أنهم مرتدون، أكثر مما يستحلون من دماء الكفار الذين ليسوا مرتدين، لأن المرتد شر من غيره.
وفي حديث أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر قوما يكونون في أمته: (يخرجون في فرقة من الناس سيماهم التحليق) ، قال: (هم شر الخلق أو من شر الخلق تقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق) ، وهذه السيما سيما أولهم كما كان ذو الثدية، لأن هذا وصف لازم لهم.
وأخرجا في الصحيحين حديثهم من حديث سهل بن حنيف بهذا المعنى، ورواه البخاري من حديث عبد الله بن عمر، ورواه مسلم من حديث أبي ذر ورافع بن عمرو وجابر بن عبد الله وغيرهم.
وروى النسائي عن أبي برزة أنه قيل له: هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الخوارج؟ قال: (نعم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بأذني ورأيته بعيني، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بمال فقسمه فأعطى من عن يمينه ومن عن شماله، ولم يعط من وراءه شيئا، فقام رجل من ورائه فقال؛ يا محمد! ما عدلت في القسمة - رجل أسود مطموم الشعر عليه ثوبان أبيضان - فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم غضبا شديدا وقال له؛"والله لا تجدون بعدي رجلا هو أعدل مني"، ثم قال؛"يخرج في آخر الزمان قوم كأن هذا منهم، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، سيماهم التحليق، لا يزالون يخرجون حتى يخرج آخرهم مع الدجال، فإذا لقيتموهم فاقتلوهم، هم شر الخلق والخليقة") .
وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن بعدي من أمتي - أو سيكون بعدي من أمتي - قوم يقرءون القرآن لا يجاوز حلاقيمهم، يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية، ثم لا يعودون فيه هم شر الخلق والخليقة) ، قال ابن الصامت: فلقيت رافع بن عمرو الغفاري أخا الحكم بن عمرو الغفاري قلت: ما حديث سمعته من أبي ذر كذا وكذا؟ فذكرت له الحديث، فقال: وأنا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فهذه المعاني موجودة في أولئك القوم الذين قتلهم علي رضي الله عنه وفي غيرهم، وإنما قولنا: إن عليا قاتل الخوارج بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما يقال؛ إن النبي صلى الله عليه وسلم قاتل الكفار، أي قاتل جنس الكفار، وإن كان الكفر أنواعا مختلفة، وكذلك الشرك أنواع مختلفة وإن لم يكن الآلهة التي كانت العرب تعبدها هي التي تعبدها الهند والصين والترك، لكن يجمعهم لفظ الشرك ومعناه.
وكذلك الخروج والمروق يتناول كل من كان في معنى أولئك، ويجب قتالهم بأمر النبي صلى الله عليه وسلم كما وجب قتال أولئك، وإن كان الخروج عن الدين والإسلام أنواعا مختلفة، وقد بينا أن خروج الرافضة ومروقهم أعظم بكثير.
فأما قتل الواحد المقدور عليه من الخوارج - كالحرورية والرافضة ونحوهم -
فهذا فيه قولان للفقهاء، هما روايتان عن الإمام أحمد، والصحيح أنه يجوز قتل الواحد منهم، كالداعية إلى مذهبه ونحو ذلك ممن فيه فساد.
· فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أينما لقيتموهم فاقتلوهم) .
· وقال: (لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد) .
· وقال عمر لصبيغ بن عسل: (لو وجدتك محلوقا لضربت الذي فيه عيناك) .
· ولأن علي بن أبي طالب طلب أن يقتل عبد الله بن سبأ، أول الرافضة، حتى هرب منه.
· ولأن هؤلاء من أعظم المفسدين في الأرض، فإذا لم يندفع فسادهم إلا بالقتل؛ قتلوا.
ولا يجب قتل كل واحد منهم إذا لم يظهر هذا القول أو كان في قتله مفسدة راجحة، ولهذا ترك النبي صلى الله عليه وسلم قتل ذلك الخارجي ابتداء لئلا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه، ولم يكن إذ ذاك فيه فساد عام، ولهذا ترك علي قتلهم أول ما ظهروا لأنهم كانوا خلقا كثيرا وكانوا داخلين في الطاعة والجماعة ظاهرا، لم يحاربوا أهل الجماعة ولم يكن يتبين له أنهم هم.
وأما تكفيرهم وتخليدهم:
ففيه أيضا للعلماء قولان مشهوران، وهما روايتان عن أحمد، والقولان في الخوارج والمارقين من الحرورية والرافضة ونحوهم.
والصحيح؛ أن هذه الأقوال التي يقولونها التي يعلم أنها مخالفة لما جاء به الرسول كفر، وكذلك أفعالهم التي هي من جنس أفعال الكفار بالمسلمين هي كفر أيضا، وقد ذكرت دلائل ذلك في غير هذا الموضع، لكن تكفير الواحد المعين منهم والحكم بتخليده في النار موقوف على ثبوت شروط التكفير وانتفاء موانعه، فإنا نطلق القول بنصوص الوعد والوعيد والتكفير والتفسيق ولا نحكم للمعين بدخوله في ذلك العام حتى يقوم فيه المقتضى الذي لا معارض له، وقد بسطت هذه القاعدة في"قاعدة التكفير".
ولهذا لم يحكم النبي صلى الله عليه وسلم بكفر الذي قال؛ (إذا أنا مت فأحرقوني ثم ذروني في اليم، فوالله لأن قدر الله علي ليعذبني عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين) ، مع شكه في قدرة الله وإعادته، ولهذا لا يكفر العلماء من استحل شيئا من المحرمات لقرب عهده بالإسلام أو لنشأته ببادية بعيدة، فإن حكم الكفر لا يكون إلا بعد بلوغ الرسالة.
وكثير من هؤلاء قد لا يكون قد بلغته النصوص المخالفة لما يراه، ولا يعلم أن الرسول بعث بذلك، فيطلق؛ أن هذا القول كفر، ويكفر متى قامت عليه الحجة التي يكفر تاركها، دون غيره.
والله أعلم
مجموع الفتاوى
ج 28 / ص 468 - 501