الأجوبة الزكية
على الأسئلة التركية
للشيخ
أبي محمد المقدسي
حفظه الله
1436 ه > 2014 م
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
أما بعد ..
فقد زارني أحد إخواننا الأتراك وأطلعني على أوضاع الشباب في تركيا وسلمني رسالة هذا ملخصها:
"الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبيه الكريم"
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بارك الله فيكم مشايخنا الكرام إننا نحبكم ونستفيد منكم كثيرا ونحمد الله على هذا نسأل الله تعالى أن يجمعنا وإياكم مع خاتم النبيين في الفردوس الأعلى ..
أولا: نوضح لكم واقعنا في تركيا فبين الاخوة آراء مختلفة في أحكام التكفير ولكن هذا الاختلاف ليس في القواعد ولا في الأصول بل في تنزيل الحكم على الواقع والناس .. وهم ينقسمون إلى ثلاثة أقسام:
الأول: يكفرون كل من شارك في الانتخابات وكل من لم يكفر أوردغان والنواب، ويدعون أن المشايخ الذين لا يكفرون كل من اشترك في الانتخابات لا يعرفون واقع تركيا، وأن الشعب التركي معرضون ومفرطون، ويرون أنه كافر أصلي لا يعذرونهم بالجهل ولا يقبلون التأويل ويعتبرون الانتخابات من المسائل الظاهرة.
الثاني: كالأوائل لكنهم يتوقفون في الحكم على المعين مع أنهم يعتقدون أن الأصل في الشعب التركي الكفر ولا يحكمون بالإسلام على من لا يعرفون عقيدته وإن رأوه يصلي.
الثالث: يتبعون مشايخ منبر التوحيد والجهاد في كتبهم وفتاويهم مثل كتاب الشيخ المقدسي (الرسالة الثلاثينية في التحذير من الغلو في التكفير) وجواب الشيخ للسؤال 1635 و 1651 عن تركيا وكتابه (الجواب المفيد في المشاركة في الانتخابات) ورسالة الشيخ أبي قتادة فك الله اسره (الرد على من يرى كفر الشعوب المسلمة) ونحوها من كتب المنبر.
بعد هذه المقدمة نريد منكم الإجابة على الأسئلة التالية نصحا لإخوانكم في تركيا جزاكم الله خيرا ..
هل ترون فرقا بين الشعب التركي والشعوب المسلمة الأخرى؟
كيف يصير الشعب كافرا؟ هل ترون أن الشعب التركي صار كافرا؟
كيف تحدد المسألة الخفية؟
هل تصير المسألة الخفية مسألة ظاهرة؟ وما ضوابط صيرورتها ومتى تصير؟
هل الاشتراك في الانتخابات من المسائل الخفية في تركيا؟
هل يعذر من يصرّ على الاشتراك في الانتخابات بعد إقامة الحجة من قبل العالم الذي يعتبر عندنا؟ إن لم يكفر فهل يجوز لنا الصلاة خلفه؟
إذا اعذر من شارك في الانتخابات فكيف نتعامل معه؟
هل تكفير الطواغيت من صحة الإيمان أم فيه تفصيل؟
اختلف الإخوه في تركيا في تكفير رئيس الوزراء رجب طيب اردغان حاليا ورشح نفسه الآن الى رئاسة الجمهورية وماذا حكمه.
وما حكم نواب المجلس التشريعي؟ وهل يكفرون تعيينا؟ وأخيرا لدى الإخوة أسئلة حول مشكلة الدولة الإسلامية وكتائب الإسلامي. هل يمكن لكم أن ترشدونا وتنصحونا في هذا.
وجزاكم الله كل خير
اللهم ارحمنا ومشائخنا واخواننا""
فأقول مستعينا بالله
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
وبعد .. فإن من المصائب التي دخلت على الأمة في زماننا فتنة الغلو في الدين وعدم إعذار المخالف من المسلمين وعدم رحمة عوام المسلمين وما رتب عليه بعض الجرؤاء من استحلال الدماء والأموال والتخوض فيها. وآثار ذلك ظاهرة للعيان اليوم في بلاد المسلمين لا تحتاج منا إلى تمثيل .. نسأل الله تعالى أن ينجي المسلمين من عواقبها ويرد شبابهم إلى الدين الحق ردا جميلا.
وسبب ذلك الجهل والبعد عن طلب العلم الشرعي والفتوى في دين الله والقول بغير علم في المسائل الكبار الخطيرة. وهؤلاء الخائضون فيها لو سألتهم عن قراءاتهم في أبواب الإيمان والكفر لوجتها ضحلة سطحية لا تسمن ولا تغني من جوع.
مع أنه لا ينبغي لأحد أن يتكلم فيها ما لم يقرأ على أقل تقدير كتاب الإيمان والصارم المسلول لشيخ الإسلام ابن تيمية، والجزء الثاني من كتاب الشفا للقاضي عياض، ولذلك كنا نعيد قراءتهما ونقرئهما للشباب مرارا لأهميتها وقد ضمنا زبدتها في كتابنا الثلاثينية.
وما تكفير أوتوقف من يتوقف من الشباب عندكم بالشعوب المنتسبة للإسلام سواء التركي أو غيره وعدم اعتبار الصلاة كخصوصية من خصوصيات أهل الإسلام يشهد لمظهرها بالإسلام؛ إلا من آثار لوثة الغلو الذي انتشر بين طائفة من الشباب اتباعا للحماس الأجوف وبسبب الجهل والبعد عن كلام العلماء المحققين وضوابطهم في التكفير.
فالأصل في المصلي الإسلام حتى يثبت عليه ناقض من النواقض، وما لم يثبت ذلك فتكفيره تكفير للمصلين وباب شر لقتلهم أو استحلال أموالهم عند المتهورين كما هو جار عند أهل الغلو وفي الحديث (إني نهيت عن قتل المصلين) .
وفي البخاري ومسلم عن ابن عمر بلفظ:"أيما رجل قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما". وزاد مسلم في رواية:"إن كان كما قال؛ وإلا رجعت عليه". وفي لفظ آخر عند مسلم:"إذا كفر الرجل أخاه فقد باء بها أحدهما".
ولا فرق بين الشعب التركي والشعوب المسلمة الأخرى ولا نكفر الشعوب المنتسبة للإسلام بالعموم لا في تركيا ولا في غيرها، ونرى أن هذا من ثمرات الغلو والجهل والتخبط في الدين. والأصل أن لا يكفر منهم إلا من أظهر كفرا بواحا بعد النظر في الشروط والموانع.
والمسائل الخفية هي المسائل التي لا تعلم بالضرورة من دين المسلمين فتحتاج إلى تنبيه وبيان وتوضيح، ولا شك أن مسائل الانتخابات ومصطلح الديمقراطية ونحوها من الأسماء والأفعال الحادثة والألفاظ الأعجمية ليست من المسائل الواضحة البينة لكل أحد، بل هي من المسائل الخفية والمحتملة عند أكثر الناس والتي قد تعني معان مختلفة، فبعضهم يحملها على بعض وسائلها وبعضهم يحملها على ما يقابل الدكتاتورية والتعذيب وتكميم الأفواه وسلب الحريات، وغير ذلك من المعاني التي هي غير التشريع المكفر فيها، وقد عرف بعض العلماء المسائل الخفية بالمتشابات التي تحتمل أقوالا عدّة.
وأما المسائل الظاهرة فهي التي ينبغي أن يعلمها بالضّرورة كلّ من بلَغته بلُغة يفهمها؛ قال الله عزّ وجلّ: (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليُبيّن لهم) ، فمن كذّب بها: (من بعد ما تبيّن له الهدى) ، فقد شاقق الرسول.
وغالب الاختلاف بين المسلمين في بعض المسائل التي يعدها البعض ضرورية سببه تفاوت النّظر في المسائل، فبعض المعلوم يختلف من شخص لآخر لأنه أمر نسبيّ إضافيّ؛ ويمثل لهذا بما ثبت عن عبد الرحمن بن يزيد قال كان عبد الله بن مسعود يحك المعوذتين من مصاحفه ويقول إنهما ليستا من كتاب الله تبارك وتعالى، ولا يقول مسلم أنّ ابن مسعود كفر لكونه أنكر معلومًا بالضّرورة، فإنّه لا يُظنّ بمثله أنه أنكر أنّ المعوّذتين من القرآن مع ثبوت كونهما من القرآن عنده.
ولهذا قال شيخنا ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى (23/ 347) :"وكون المسألة قطعية أو ظنية؛ هو من الأمور الإضافية، وقد تكون المسألة عند رجل قطعية لظهور الدليل القاطع له، كمن سمع النص من الرسول، وتيقَّن مراده منه، وعند رجل لا تكون ظنية، فضلًا عن أن تكون قطعية؛ لعدم بلوغ النص إياه، أو لعدم ثبوته عنده، أو لعدم تمكنه من العلم بدلالته".
وقال في مجموع الفتاوى (19/ 211) :"فكون المسألة قطعية أو ظنية هو أمر إضافي، بحسب حال المعتقدين، ليس هو وصْفًا للقول نفسه، فإن الإنسان قد يقطع بأشياء علمها بالضرورة، أو بالنقل المعلوم صِدْقُه عنده، وغيره لا يعرف ذلك لا قطْعًا ولا ظنًّا، وقد يكون الإنسان ذكيًّا، قويَّ الذهن، سريع الإدراك، فيعرف من الحق، أو يقطع به ما لا يتصوره غيره، ولا يعرفه لا علمًا ولا ظنًّا، فالقطع والظن يكون بحسب ما وصل إلى الإنسان من الأدلة، وبحسب قدرته على الاستدلال، والناس يختلفون في هذا وهذا، فكون المسألة قطعية أو ظنية ليس هو صفة لازمة للقول المتنازع فيه، حتى يقال: كل من خالفه خالفَ القطعي، بل هو صفة لحال الناظر المستدِل المعتقِد، وهذا مما يختلف فيه الناس". اهـ.
وقال رحمه الله في"منهاج السنة" (5/ 91) :"فكون المسألة قطعية أو ظنية أمر إضافي بحسب حال المعتقدين، ليس هو وصفًا للقول في نفسه؛ فإن الإنسان قد يقطع بأشياء علمها بالضرورة أو بالنقل المعلوم صدقه عنده، وغيره لا يعرف ذلك لا قطعًا ولا ظنًا، وقد يكون الإنسان ذكيًا قوي الذهن، سريع الإدراك علمًا وظنًا، فيعرف من الحق ويقطع به مالا يتصور غيره، ولا يعرفه لا علمًا ولا ظنًا، فالقطع والظن يكون بحسب ما وصل إلى الإنسان من الأدلة، وبحسب قدرته على الاستدلال". اهـ.
ولذلك يعذر حديث العهد بالاسلام والأعجمي الذي لا يفقه اللغة العربية فيما لا يعذر فيه غيرها ..
ولذلك فقد قال أيضا في مجموع الفتاوى (6/ 60) :"فإن القول الصدق إذا قيل فإن صفته الثبوتية اللازمة: أن يكون مطابقًا للخبر، أما كونه عند المستمع معلومًا، أو مظنونًا، أو مجهولًا، أو قطعيًّا، أو ظنيًّا، أو يجب قبوله، أو يحرم، أو يكفر جاحده، أو لا يكفر؛ فهذه أحكام عملية تختلف باختلاف الأشخاص والأحوال؛ فإذا رأيت إمامًا قد غلظ على قائل مقالته، أو كفَّره فيها، فلا يعتبر هذا حكمًا عامًّا في كلِّ مَن قالها، إلاّ إذا حصل فيه الشرط الذي يستحق به التغليظ عليه والتكفير له؛ فإنّ مَن جحد شيئًا من الشرائع الظاهرة وكان حديث العهد بالإسلام، أو ناشئًا ببلد جهل لا يكفّر حتى تبلغه الحجة النبوية."
وكذلك العكس: إذا رأيت المقالة المخطئة قد صدرت من إمام قديم فاغتفرت لعدم بلوغ الحجة له، فلا يغتفر لمن بلغته الحجة ما اغتفر للأول"اهـ."
إذا علم هذا وعلم أن المسألة قد تكون ظاهرة عند شخص وخفية عند آخر، فلا يجوز أن يعامل الشخص بالنظر إلى حال الأكثرية دون النظر إلى حاله هو في الفهم أوعدم الفهم أوالإعراض وعدمه، ومنه تعلم أن إجراء حكم التكفير على شعب بكامله دون اعتبار لهذه القواعد من الجهل الذي وقع فيه كثير من الغلاة في زماننا.
وفي صحيح البخاري من حديث أنس أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا فَذَلِكَ الْمُسْلِمُ الَّذِي لَهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ فَلَا تُخْفِرُوا اللَّهَ فِي ذمَّته» .
وهذا الحديث يمثل قاعدة لأهل السنة والجماعة تميزهم عن أهل الغلو والخوارج، وهي استصحاب أصل بقاء الإسلام لمن أظهر بعض خصوصياته حتى يأتي بناقض ظاهر معتبر غير محتمل، وتجتمع بحقه الشروط وتنتفي الموانع لأنّ اليقين لا يزول بالشّكّ.
قال شيخ الإسلام رحمه الله: (ليس لأحد أن يكفّر أحدًا من المسلمين وإن أخطأ وغلط، حتى تُقام عليه الحجة، وتُبين له المحجة، ومَن ثبت إسلامه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك، بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة) اهـ.
وعليه فالطائفتين المذكورتين في السؤال الأولى والثانية طائفتين مخطئتين قد ضلتا سبيل الحق، إذ كفرتا الشعب التركي كاملا أو توقفتا فيه ولم تحكما لأحد منه بالإسلام وإن صلى حتى يعلم ما في مغيب ضميره، فهذا كله من الضلال الذي نبرأ منه، وقد نبهنا عليه وأنكرناه في رسالتنا المذكورة أعلاه (الثلاثينية) . فالأصل الأخذ بالظاهر ومن أظهر خصوصية من خصائص أهل الإسلام حكم له بالإسلام، ولا نتوقف حتى نعلم مغيب ضميره قال ابن حجر في"الفتح" (12/ 272) : (وكلهم أجمعوا على أن أحكام الدنيا على الظاهر والله يتولى السرائر) .
أضف إلى هذا وجوب التنبه إلى التفريق الذي ننبه عليه دوما بين الشعوب المسلمة المستضعفة وبين الطوائف الممتنعة بشوكة التي تفرض الكفر والحكم بغير ما أنزل الله على تلك الشعوب، فإن عموم الناس المستضعفين يجب التعامل معهم بالرحمة وعدم التعجل بالحكم عليهم بالتكفير لجواز أخذهم بالتقية في ظل الإستضعاف. وأعني بالتقية كتمان العداوة للكفار وعدم إظهار التكفير لهم والبراءة منهم، فمن لم يظهر ذلك لاستضعافه معذور ولا يجوز تكفيره. وقد رأيت كثيرا من الشباب يأخذون بعض إطلاقات الشيخ محمد بن عبد الوهاب وبعض أئمة الدعوة النجدية في ذلك، فيفهمون منهم تكفير من لم يظهر العداوة للكفار أو يصدع بالبراءة منهم، فلا يعذرون مستضعفا ولا يشهدون لأحد بالإسلام وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم حتى يعلن براءته من الطواغيت رغم الاستضعاف، وهذا فهم خاطئ وغلط بيّن تسبب بظهور الغلاة في كافة البلاد. وقد تنبهنا لمثل هذه الاطلاقات في كلام أئمة الدعوة في أول الطلب والكتابة فترانا نبهنا على بعضها في هوامش كتابنا ملة إبراهيم وغيره منذ زيادة على ثلاثين سنة بفضل الله، وليس هو وليد الساعة فمن شاء فليراجع ذلك في كتاباتنا.
مثال ذلك تعليقنا على قول الشيخ محمد بن عبد الوهاب الذي نقلناه في ملة إبراهيم وهو قوله: (فإذا عرفت هذا عرفت أن الإنسان لا يستقيم له إسلام ولو وحد الله وترك الشرك إلا بعداوة المشركين والتصريح لهم بالعداوة والبغضاء كما قال تعالى: {لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حادّ الله ورسوله ... } [المجادلة: 22] الآية) اهـ.
وبعد ذلك بقليل قول الشيخ محمد بن عبد اللطيف من الدرر السنية: (اعلم وفقنا الله وإياك لما يحب ويرضى أنه لا يستقيم للعبد إسلام ولا دين إلا بمعاداة أعداء الله ورسوله، وموالاة أولياء الله ورسوله قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان} [التوبة: 23] أهـ. من جزء الجهاد ص 208.