الصفحة 51 من 277

القاضي الذي لا يجد حماية هو في هذه الحالة أقرب إلى وصف محكَّم مثل التحكيم، يعني طواعية، لكن إذا كان له حماية وسلطان وتُنفذ أحكامه، يعني لو حكم بالقصاص سُينفذ القصاص بالقوة، ويُنفذ الحد بالقوة، ويُجبر الخصم حتى في المداينات والأرض، والذي يعتدي على إنسان في الزرع والأشياء المدنية هذه، في هذه الحالة لو نُفذت أحكامه وبالقوة إذًا هو سلطان، هذا قاضي اسمه قاضي شرعي؛ لأن قضاءه يفصل بين الناس، ويحسم النزاع، ويفصل الخصومات، حتى ولو لم يكن هناك إمام ولا أمير ولا سلطان والناس اختاروا فيما بينهم هكذا، هذا ممكن ينطبق على زماننا وخاصة لا يوجد بلد في العالم الإسلامي يحكم بالشرع أصلًا.

رزق القاضي وأجرة القاضي:

هذه المسألة تكلّم فيها الإمام ابن قدامة في (المغني) ، ورزق القاضي يعني الأجرة التي يأخذها القاضي. العلماء اختلفوا هل يجوز له أن يأخذ أجرة؟ أم لا يجوز؟ هنا ابن قدامة ذكر المسألة بالتفصيل في (المغني) وذكر الرأيين: الرأي الذي يجيز أخذ الأجرة والذي لا يجيز أخذ الأجرة؛ لأن هناك بعض العلماء لهم رأي يقول يُكره له، لأن أصل عمل القاضي عمل شرعي، لأنه يعمل شيئًا لله وتعبدًا له، فهو كأنه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، يعني أنت لما تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ستأخذ أجرًا على هذا؟! هم يقصدون هكذا.

وهل كان القاضي أيام الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأيام الصحابة كان يأخذ رزقًا من بيت المال؟

قال ابن قدامة يجوز للقاضي أخذ رزق ورخّص فيه شريح، وابن سيرين، والشافعي، وأكثر أهل العلم. وروي عن عمر -رضي الله عنه- أنه استعمل زيد بن ثابت على القضاء وفرض له رزقًا، ورزق شريحًا في كل شهر مائة درهم، وبعث إلى الكوفة عمارً، وعثمان بن حنيف، وابن مسعود، ورزقهم كل يوم شاة نصفها لعمار ونصفها لابن مسعود، يعني ثمنها. وكان ابن مسعود قاضيهم ومعلّمهم، وكتب إلى معاذ بن جبل وأبي عبيدة حين بعثهما إلى الشام أن انظرا رجالًا من صالحي من قبلكم فاستعملوهم على القضاء وأوسعوا عليهم وارزقوهم واكفوهم من مال الله.

قال أبو الخطاب يجوز له أخذ الرزق مع الحاجة، فأما مع عدمها فعلى وجهين، -يعني إذا كان محتاجًا يأخذ، وإذا لم يكن محتاجًا لا يأخذ-. وقال أصحاب الشافعي إن لم يكن متعينًا جاز له أخذ الرزق عليه، وإن تعيّن لم يجز إلا مع الحاجة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت