إعلان البراءة من"الحملة العالمية لمقاومة العدوان"
[الكاتب: حسين بن عمر محفوظ]
الحمد لله وحده.
والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه.
أما بعد:
فقد كنت من الموقعين على"البيان التأسيسي للحملة العالمية لمقاومة العدوان"، حيث وجه لي الشيخ الدكتور سفر بن عبد الرحمن الحوالي رسالة يطلب مني أن أضع اسمي في قائمة المؤسسين للحملة العالمية لمقاومة العدوان.
وكنت أظن أن تلك الحملة تكون كاسمها تقاوم العدوان اليهودي والصليبي على أمتنا الإسلامية، ولثقتي بالشيخ الدكتور سفر بن عبد الرحمن الحوالي وقعت على الرسالة المشار إليها.
غير أني فوجئت فيما بعد حين استلمت نسخة من البيان التأسيسي أن من الأعضاء المؤسسين: محمد عمارة وفهمي هويدي، وأمثالهما من دعاة الوطنية والديمقراطية، والذين سخروا أقلامهم لإلقاء الشبه والشكوك على منهج السلف، ومن وقف على بعض سفاسف كتاباتهم يعلم أن أمثال هؤلاء قد تخصصوا بالوقيعة في المتمسكين بدينهم من خيرة علماء الأمة ودعاتها وشبابها الغيورين على دينهم، ولذلك تراهم كثيرًا ما يرمون المجاهدين بأحط العبارات المسفة، والتي يهدفون من ورائها هدم المعالم الرئيسة للجهاد في الإسلام، وطمس الأسس المنهجية والمستنبطة من الكتاب والسنة على فهم السلف.
ولذلك ما فتئ أولئك يبحثون عن أساليب ماكرة لإبطال الجهاد ومحوه من أذهان المسلمين، ولا غرابة أن نسمع منهم الدعوة إلى العالمية والإنسانية والديمقراطية، وكذلك مطالبتهم الحثيثة للمسلمين المعاصرين في إعادة النظر حول قضية دار الحرب ودار الإسلام!!
ناهيك عن عشرات المقالات التي نفثوا فيها سموم العلمنة الفكرية وضمنوها تجهيل علماء الأمة وفقهائها، ووصفوهم بالعجز عن معرفة دلالات النصوص الشرعية وملابساتها.
فهذا فهمي هويدي -على سبيل المثال لا الحصر- من أكثر ذلك الصنف من الكُتاب دعوة إلى إنهاء التمايز بين المسلمين والكفار، وقد صرح مرارًا بأنه ليس صحيحًا أن الإسلام يعطي أفضلية للمسلمين على الكفار!!
ولست هنا بصدد استعراض العفن الفكري والتلوث الثقافي لهذا الصنف من الكُتاب، وتوجيه اللوم إليهم أو نقدهم نقدًا علميًا، فإن ذلك له مجال آخر غير هذه المساحة، ولكني أردت أن أبين حقيقة هؤلاء، وكيف يصلحون أن يكونوا من الأعضاء المؤسسين لحملة هدفها الرئيس مقاومة العدوان على الأمة الإسلامية فكريًا وثقافيًا وعقديًا وتربويًا وعسكريًا - وهم بهذا التلوث الفكري و المسخ العقيدي؟!!
وهل يجد اليهود والنصارى أفكارًا تخدم أهدافهم أفضل من الأفكار التي يطرحها ذلك الصنف الهالك من الكتاب الذين يخدمون أمريكا في نبذ عقيدة التوحيد وطمس الموالاة في الله والمعاداة فيه، وطرح الجهاد الإسلامي بعيدًا عن أصل الصراع بين الإسلام والكفر وبين الإيمان والشرك.
ومن المعلوم أن حرب أمريكا على المسلمين لا ينحصر في الجانب العسكري بل هو حرب في كل المناحي والأصعدة، فأمريكا تعلن دائمًا أن المناهج المنبثقة من توحيد الله والمؤسسة على الولاء والبراء هي التي تخرج الإرهابيين -حسب مصطلحها- ولذلك تطالب مرارًا أولياءها من طواغيت بلاد المسلمين بتغيير المناهج وتشكيل شخصية المسلم على ما يتواكب مع مطالب اليهودية الحاقدة والصليبية البغيضة.
ولن تجد أمريكا فكرًا يحقق أهدافها تلك كفكر هؤلاء الكُتاب العقلانيين والعصرانيين الذين ملئوا الساحة ضجيجًا وعويلًا ليحاولوا -عابثين- فصل الأمة عن هويتها الإسلامية ومعالمها الإيمانية.
لذلك أعلن براءتي من البيان التأسيسي وانسحابي من تلك الحملة المعنونة بـ"الحملة العالمية لمقاومة العدوان"؛ لإيماني ويقيني بأن الدين لن ينتصر إلا برجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وبأناس تكون حقيقة الصراع مع اليهود والنصارى واضحة المعالم والأهداف لديهم، فالخلط بين الطيب والخبيث يتنافى مع جوهر الإسلام وصفاء عقيدته ونقاء منهجه، فلا بد من التمايز في الصفوف وإعلان البراءة من كل كاتب وداعية إلى مفاهيم تخدم اليهود والنصارى وأولياءهم، فالأمة الإسلامية اليوم تمر بمرحلة مخاض عسير تتطلب من علمائها المخلصين ودعاتها الصادقين أن يكونوا أكثر صدق معها وأجدر على تحمل المسئولية المناطة بهم.
فلا بد من الوضوح في منهج الإسلام الذي ندعو إليه، والصدع بكلمة الحق كما أمرنا في الكتاب والسنة، من غير لف ولا دوران، وعلى من تحمل أداء الأمانة أن يجاهر ببيان الحق لا يخاف في الله لومة لائم.
فالقبض على العصا من منتصفه ليس من صميم ديننا الحنيف، ولا هو من جوهر الإسلام النقي.
قال تعالى: {فاصدع بما تُؤمرُ وأعرض عن المُشركين * إنا كفيناك المُستهزئين * الذين يجعلُون مع الله إلهًا آخر فسوف يعملُون} [الحجر: 94 - 96] .
وقال تعالى: {قُل لا يستوي الخبيثُ والطيبُ ولو أعجبك كثرةُ الخبيث فاتقُوا الله يا أُولي الألباب لعلكُم تُفلحُون} [المائدة: 100] .
وقال تعالى: {يا أيُها الذين آمنُوا لا تتخذُوا اليهُود والنصارى أولياء بعضُهُم أولياء بعضٍ ومن يتولهُم منكُم فإنهُ منهُم إن الله لا يهدي القوم الظالمين * فترى الذين في قُلُوبهم مرض يُسارعُون فيهم يقُولُون نخشى أن تُصيبنا دآئرة فعسى اللهُ أن يأتي بالفتح أو أمرٍ من عنده فيُصبحُوا على ما أسرُوا في أنفُسهم نادمين} [المائدة:51 - 52] .
وقال تعالى: {ما كان اللهُ ليذر المُؤمنين على مآ أنتُم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب ... الآية} [آل عمران: 179] .
وقال تعالى: {ليُدخل اللهُ في رحمته من يشاء لو تزيلُوا لعذبنا الذين كفرُوا منهُم عذابًا أليمًا} [الفتح: 25] .
وعن أبي مالك الأشجعي عن أبيه عن رسول الله صلى الله وعليه وسلم: (( من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله ) ) [رواه مسلم] .
وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (( من كان مستنًا فليستن بمن قد مات فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا خير هذه الأمة أبرها قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، قومًا اختارهم الله لصحبة نبيه ونقل دينه فتشبهوا بأخلاقهم وطرائقهم فهم كانوا على الهدى المستقيم ) ) [شرح السنة للبغوي"1/ 216"] .
وقال الإمام مالك رحمه الله تعالى: (( من أحدث في هذه الأمة شيئًا لم يكن عليه سلفها فقد زعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خان الدين؛ لأن الله يقول {اليوم أكملتُ لكُم دينكُم وأتممتُ عليكُم نعمتي ورضيتُ لكُمُ الإسلام دينًا} ) ) [المائدة:3] [الاعتصام للشاطبي"2/ 53] ."
وقال أحد السلف: (لا تجالسوا أصحاب الأهواء -أو قال أصحاب الخصومات- فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلا لاتهم ويلبسوا عليكم بعض ما تعرفون) [شرح السنة للبغوي 1/ 227] .
جعلنا الله سبحانه وتعالى ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ويتمسكون بالكتاب والسنة علمًا وعملًا على فهم السلف الصالح وجنبنا الأهواء المضلة والبدع المضمحلة والأفهام المذلة، فضلًا من الله ومنة.
وسبحانك اللهم وبحمدك
أشهد أن لا إله إلا أنت
أستغفرك وأتوب إليك
وصل اللهم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم
والحمد لله رب العالمين
[وكتب؛ حسين بن عمر محفوظ بن شعيب > 15/ ربيع الأول / 1424هـ]