الصفحة 20 من 21

[الكاتب: محمد علي الهرفي]

هناك اليوم ما يسمى بـ"حملة عالمية لمقاومة العدوان"وقد انضم إلى هذه الحملة مجموعة من الفضلاء الذين يبدو أنهم متفائلون كثيرًا بهذه الحملة التي أعدوها لمقاومة العدوان بالطرق السلمية كما يقولون.

ولأننا نعيش في عالم يعتدي فيه القوي على الضعيف؛ فنحن في أمس الحاجة إلى من يحمينا باعتبارنا الجنس الأضعف في هذا العالم، ولكن هل ستتمكن هذه الحملة التي سمعنا عنها من القيام بمثل هذا العمل أم إنها هي الأخرى ستحتاج إلى حماية شأنها شأن العالم الضعيف الذي تعيش فيه وتستمد قوتها منه؟

الطريف والمحير في الوقت نفسه أن هذه الحملة قررت أن تقوم بهذا العمل بالطرق السلمية وحدها وحسب الاتفاقات والمواثيق الدولية - كما قال أمينها العام ونائبه - ولست أفهم كيف يمكن لأمة - مهما كانت - أن تقاوم العدوان عليها بطرق سلمية.

ولست أفهم كذلك كيف تكون الطرق السلمية هذه متفقة مع القوانين والأعراف الدولية.

القائمون على هذه الحملة ذوو الاتجاهات السلمية لم يقولوا لنا مثلًا كيف يمكن مواجهة الاعتداءات اليهودية اليومية على الفلسطينيين بالطرق السلمية وحدها.

ولم يقولوا لنا كذلك كيف يتمكن العراقيون من إنهاء الاحتلال الأمريكي والبريطاني لبلادهم بالطرق السلمية.

ولم يشرحوا لنا كيف سيتمكن السوريون - مثلًا - من الدفاع عن بلادهم لو فكر الأمريكان في احتلالها بالطرق السلمية.

وهكذا يتكرر السؤال بالنسبة لكل بلد عربي أو مسلم يدخله محتل أجنبي بعدته وعتاده، فهل يصح القول إن على هذا البلد مقاومة العدوان بالطرق السلمية وحدها؟

أعتقد أن الذي يقول مثل هذا القول لا يدرك شيئا مما يجري حوله أو يعتقد أن الآخرين بلهاء إلى درجة أن يصدقوا شيئا من تلك الأقوال.

على القائمين على هذه الحملة أن يبينوا أي نوع من العدوان يتحدثون عنه، وإذا عرفنا هذا النوع أمكن تفهم المقاومة السلمية التي يركزون عليها والتي يرون أنها الحل الشامل لأزمات الأمة.

ثم سؤال أوجهه إلى الإخوة القائمين على هذه الحملة؛ هل الأعراف والمواثيق الدولية تجعل المقاومة السلمية هي الحل الوحيد للدفاع عن الأمة؟

وسؤال آخر لهم أيضًا؛ هل الإسلام الذي تؤمنون به يجعل هذا النوع من المقاومة هو الخيار الذي لا ينبغي تجاوزه؟

سأقول لكم بجلاء ووضوح؛ إن الأعراف والمواثيق الدولية التي تتحدثون عنها تجيز لكل الأمم والشعوب أن تدافع عن نفسها بكل الطرق والوسائل السلمية وغيرها وبحسب الظروف والأوضاع التي تتعرض لها، وهذا هو الشيء نفسه الذي نعرفه عن الإسلام بل وكل الديانات الأخرى والمذاهب التي تحكم العالم اليوم.

وإذا كان سلاح الكلمة قويًا كما يقول سلمان العودة فإن هذا السلاح لا يفيد بشيء إذا كان العدو الذي تقاومه لا يستعمل هذا السلاح بل يلجأ إلى سلاح آخر يبيد به الشعوب الضعيفة.

ومن هنا فإن المرء يعجب من مثل هذا الكلام الذي يهدف إلى إضعاف الأمة وتخذيلها وإشاعة الوهن بين أبنائها والاكتفاء بمطالبتها بالصبر والاحتساب والبعد عن الصدام والعنف كما يدعي سفر الحوالي وكما يرى لهذه الأمة.

أتفق مع الشيخين الفاضلين إذا كان الطرف الآخر يستخدم السلاح نفسه ولكنه إذا استخدم سلاحًا آخر فلا ينبغي أن نقول للأمة المسلمة إن عليها أن تصبر وتحتسب وتقاوم بسلاح الكلمة وحده بحجة أنها أمة ضعيفة.

وإذا كانت هذه الأمة ضعيفة - كما يقولون - فهل من المصلحة لها أن تبقى كذلك وأن تؤصل هذه الصفة القبيحة فيها أم إن المصلحة أن نطالبها بإعداد القوة والعمل الجاد لإعلاء مكانتها، ولا سيما أن الحملة سينضم لها عدة ملايين من المسلمين - كما يقول الحوالي - من شتى أنحاء العالم الإسلامي كما انضم إليها فعلا - كما يقول - عدد من الأحزاب الإسلامية في باكستان والتي تضم ما يزيد على مئة مليون مسلم، فهل نطلب من هذه الملايين أن تبقى إلى الأبد مستخدمة سلاح الكلمة وحده وهي قادرة على استخدام النوع الآخر من السلاح إذا دعت الحاجة إليه؟

مرة أخرى ينبغي أن نكون واضحين إذا أردنا لهذه الحملة النجاح، وهذا الوضوح يقتضي أن نقول لهذه الأمة إن عليها أن تعمل بكل الوسائل لتتمكن من الحصول على كل أنواع السلاح وإن هذا حق من حقوقها حسب كل الأعراف والقوانين الدولية وبحسب كل الديانات السماوية، وإن من حقها استخدام هذا السلاح متى ما دعت الحاجة إليه وإن عليها مقاومة العدوان بكل أنواع الأسلحة المتاحة.

أما الطرق السلمية وحدها فهي سلاح العجزة الذي لا يوصل إلى حق ولا يمكن الاستفادة منه في الدفاع عن الأمة ومقدراتها.

صحيح أن الأمة الإسلامية ضعيفة، وصحيح كذلك أن سلاحها اليوم لا يساوي السلاح الموجود عند أعدائها

ولكن هذا كله لا يجعلنا نقول لهذه الأمة إن هذا الواقع صحيح لا اعتراض عليه وإنه يمكنها الاستمرار عليه وإن الكلمة وحدها كافية للدفاع عنها وبالتالي لا مانع من استمرارها على وضعها الضعيف، هذا تخذيل يصب في مصلحة أعداء الأمة وأهدافهم.

وكلنا يعرف أن الدول الإسلامية والعربية التي نتحدث عنها لديها إمكانات هائلة مادية وبشرية ولديها عقول تستطيع أن تجعلها في مصاف الأمم المتقدمة ماديًا ومعنويًا، وأن هذه الأمة لو استخدمت إمكاناتها لسخرت كثيرًا من الأشياء لخدمتها وأن من واجبها أن تفعل هذا كله وأن من حقها أن تدعو وتحث حكامها وبشدة للحصول على كل أنواع القوة.

لو أن الحملة قالت مثل هذا الكلام وعملت على نشره بين أبناء الأمة وأشعرتهم بحقوقهم وواجباتهم لاتفقنا معها على البدء بسلاح الكلمة حتى نجد طريقا لاستخدام الأسلحة المشروعة الأخرى استجابة لأمر الله {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم} ، أما وإنها لم تقل شيئًا من ذلك فإن اختلافي معها حق مشروع أعلنه وسأبقى كذلك حتى أسمع شيئا آخر أقتنع به. . .

الشيء الجميل الذي يتحدث عنه القائمون على هذه الحملة هو مقاطعة إسرائيل، وذكروا أن هذه المقاطعة اتخذت بقرار من جامعة الدول العربية، كما ذكروا كذلك أن الأعداء تمكنوا من وقف هذه المقاطعة ولم يذكروا لنا من هم هؤلاء الأعداء ولا كيف تم لهم ما أرادوا! ثم أين ذهبت إرادة الدول العربية وشعوبها؟

على أية حال ترسيخ ثقافة المقاطعة - كما قالوا - مطلب لكل الشعوب الإسلامية، ولكن هذا المطلب لا يجب أن يتوقف عند حدود إسرائيل، بل يجب أن يتعداها لكل الحكومات التي تحارب العرب أو المسلمين.

إن مقاطعة بضائع هذه الدول مطلب ديني ووطني، وعلينا أن نتذكر أن الأمريكان شعبًا وحكومة قاطعوا المنتجات الفرنسية أثناء حرب العراق، مع أن فرنسا لم تحاربهم بل كان كل ذنبها أنها رفضت الحجج المقدمة لتبرير الحرب على العراق ومع هذا فقد كانت مقاطعتها عملًا قوميًا لدى الأمريكان.

إن حكومات الدول الإسلامية والعربية مطالبة بالمشاركة في هذه المقاطعة كما هي مطالبة أيضا بحث شعوبها على ذلك.

على هذه الشعوب أن تشعر بواجبها وعليها أن تشارك ولو بهذا الشيء القليل لإعلان رفضها لكل ما يحاك ضدها من قرارات.

إن ثقافة المقاطعة يجب أن تكون شاملة وقوية ودائمة وهي بهذه الصفات تكون قوية ومؤثرة دون ريب.

جميل من القائمين على تلك الحملة دعوتهم هذه الشعوب الإسلامية وهي دعوة عملية ومؤثرة إن شاء الله، أما الدفاع السلمي فقضية استعصت على فهمي ولست أدري من أين الخلل؟ من الذين دعوا إلى هذا الحل أم من سوء فهمي؟

[محمد علي الهرفي > 15 جمادى الأولى 1424]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت