[الكاتب: يحيى بن علي الغامدي]
هناك تناقض مخيف في مواقف المشايخ وآرائهم وأطروحاتهم الأخيرة، وأعزو ذلك والله أعلم أن هؤلاء المشايخ مازال فيهم بقية من خير، فتفلت منهم في بعض الأحايين كلمات إذا قرأها الإنسان يتحيّر: هل هذا هو منهجهم؟ فيحسن الظن ويقول: نعم هذا منهجهم، ثم لا يبرح حتى يصعق ببيان صدر لهم فيه من الكذب والتشويه والتضليل الشيء الكبير.
إن التنظير شيء والتطبيق شيء آخر تمامًا، التنظير سهل مريح يمارسه الإنسان من على مكتبه الفاخر المكيف، أما التطبيق فيحتاج إلى نزولٍ للميدان وتجشم للصعاب، ودفع لضريبة الكلمة والفعل، ومن صور هذا التناقض ما وقع مؤخرًا في مدينة الرياض حيث عقد ناصر العمر مؤتمرًا حضره سلمان العودة وسفر الحوالي وابن جبرين وكثير من المشايخ، وكان الموضوع الرئيس للملتقى هو تغيير المناهج، وقد حضرت مجلسًا تواجد فيه أحد مشايخ الصحوة فروى لنا ما دار في المجلس الميمون وقرر حقائق التغيير الذي حل بالمناهج وعندما طُرِحَت الأسئلة من الحضور عن العلاج وكيفية التصدي لهذا الزحف العلماني بدأ بذكر وسائل باهتة ربما تنفع في حالات فردية.
عندها انبرى أحد العوام [1] وقال: ياشيخ يجب أن نمتنع عن تدريس هذه المناهج الجديدة!
فقال الشيخ: لا لا! الإمتناع يحدث فتنة وسجن ومشاكل وليس حلًا.
فقال الأخ: وهل فتنة تغريب أطفالنا ومسخ عقولهم وسلخ هويتهم أعظم أم فتنة السجن؟
عندها لم يرد الشيخ، بل رد أحد العوام كبار السن وقال: والله إن سجن الرجل في سبيل دينه لهو شرف له!
وفي خضم هذا الإحراج تدخل أحد الصحويين الأكاديميين وغيّر الموضوع لعله يخفف من حدة الجو الذي تكهرب فجأة فقال: والله نحن عندنا في الجامعة رسالة جيدة تقدم بها أحد الطلاب لنيل رسالة الدكتوراة وهي تتعلق بنقض دعاوى القوم في أن مناهجنا تغذي العنف والعداء والكراهية - واستطرد معجبًا بقوله ولم يعلم أن القاصمة ستحل به بعد قليل - وقد استعمل فيها ياشيخ طرق الأصوليين في النقض والقلب والتقرير، فقد نقض هذه الدعاوى ثم قلبها عليهم وقال؛ بأنهم هم الذين يغذون العنف ومشاعر العداء ضد الآخر.
فقاطعه الشيخ وقال: جيد ممتاز، نريد هذه الرسالة فهي فريدة في ...
عندها لم أملك نفسي وقلت: سبحان الله كيف تقعون في هذا التناقض الصارخ؟!! كنتم قبل دقائق تنقمون على وزير المعارف الرشيد - قاتله الله - حذف مفردات مثل (معاداة المشركين - البراءة منهم - منابذتهم - موالاة المؤمنين والبراءة من الكافرين) وهذا جيد منكم، ثم تأتون الآن وتقولون: ليس لدينا مناهج تغذي العداء والعنف والكراهية؟!!
سبحان الله إذا لم تكن هذه المناهج التي تحتوي على هذه المفردات والتي تحتوي على آيات:
· مثل قوله سبحانه {قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين * ويذهب غيظ قلوبهم} .
· وقوله تعالى {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} وقوله تعالى {لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله} .
· وقوله تعالى {فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ * أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ} .
· وقوله تعالى {فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا} .
· وقوله تعالى {قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} .
· وقوله تعالى {فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} .
أقول: إذا لم تكن هذه المناهج التي تحتوي على هذه الآيات تغذي العداء لأعداء الله فمالذي يغذيه؟
هل أصبح مالديكم رخيصًا حتى تتبرأون منه بهذه السرعة؟ هل أصبحت بضاعة محمد صلى الله عليه وسلم مزجاة إلى هذا الحد؟ لماذا تتخلون عن سبب قوتكم وعزتكم لو تمسكتم به؟ فقال الشيخ: لا لا، نحن نقول لهم: إنكم أنتم الذين تغذون العنف والعداء؟ سبحان الله!
أنتم بهذا تنفون أن يكون الكتاب يغذي العداء لأعداء الله وإرهابهم وحصرتم أسباب ما حدث من تفجيرات على أنها ردود أفعال تجاه أفعال أمريكا .. إذًا أنتم بين خيارين أحلاهما مر: إما أنكم لا تؤمنون بأن القرآن والسنة يغذيان العداء والإرهاب لأعداء الله والمفاصلة معهم وهذا كذبٌ على الله وافتراء، أو أنكم تُقرون ولكنكم بسبب من عجزكم وتخاذلكم لا ترون هذه النصوص تنطبق على هذا الواقع فلا تعادون أمريكا حاليًا!! أو أنكم ترونها تنطبق على هذا الواقع وعاديتموهم بإقامة الحملة العالمية للعدوان؟ ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور.
أنت أمير وأنا أمير!!
إن من الأمور التي - في نظري - جعلت المشايخ يحجمون عن تقحّم أبواب الجهاد في زماننا هذا حتى أصبح أكثرهم يردد: وأنتم لا ترون الجهاد إلا القتال [2] .
أقول: إن من أسباب ذلك أن جميع المشايخ يريدون أن يصبحوا منظرين للأمة من أبراجهم العاجية، يأمرون فلا يُترك الأمر حتى ينفذ، ويشيرون فتصبح مشورتهم منهج، ولم يتبرع أحد منهم بالنزول إلى الميدان وتربية الناس هناك، إن هذا النموذج قد أغرى مجموعة من المشايخ لاحتذائه، فما أجمل أن تكون معشوقًا من الملايين، وأن تكون محاضراتك تحوز على أكبر نسبة توزيع، وأن تتصدر الشاشات لإجراء المقابلات والتنظير، فعلًا كل هذا جميل ولكن ينغصه شيء واحد فقط: أن الله لن يترك صغيرة ولا كبيرة إلا وحاسب الناس عليها.
ثم إنهم لن يجدوا في أرض الجهاد - التي خاضها أكرم الخلق محمد صلى الله عليه وسلم - لن يجدوا المكتب الوثير ولا السيارة الفارهة ولا الزوجة الحسناء ولا جهاز التكييف والتدفئة ولا كثرة المريدين والأتباع ..
نعم كل هذه لم يجدها المرابطون على الثغور، ولكن بحسب أشراف الأمة شهادتهم على القاعدين يوم الدين.
إن الإنسان إذا استغرق في عالم الأفكار والنظريات ولم يجرب الحياة فعلًا يحصل عنده استغراق في القديم يجعله - مع كثرة النحيب على هذا الواقع - يتفاجأ إذا رأى أن الأمة قد وضعت عنها الأُصُر والأغلال التي كانت عليها، فهو يؤمن تمام الإيمان بتلك النماذج المضيئة من العلماء المجاهدين العاملين كابن تيمية وابن القيم والمحدث الثقة أبي إسحاق الفزاري رحمهم الله، ولكن إذا ثاب إلى عالم الشهادة فهو يعجز تمامًا عن الإلتحاق بأولئك بسبب أن بعض الناس كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين، نعم لا تبحثوا عن أسباب كثيرة، كمراعاة الواقع وعدم كون هذا الزمان زمان جهاد، أو كون الأمة في حاجة إليهم في مواقعهم هذه [3] فما ثم - في اعتقادي - إلا هذا السبب، وهم في نظري عَجَزَةٌ قاعدون.
إنّ من المشاكل في طريقة تفكيرهم أنهم حصروا واجبهم تجاه الأمة في الدعوة والتعليم - وحتى هذه الأخيرة لم يوفوها حقها ووقعوا في تناقض مضحك بشأنها وذلك أن الطاغوت في جزيرة العرب يحارب دعوتهم وهم يتقربون إليه، فمالحل؟ - وهم بهذا لم يفقهوا دور العالم في أمته.
لقد كانت الأمة على حياةِ شيخِ الإسلام رحمه الله محتاجةً أشدّ الحاجة إلى من يرد على علماء الكلام الذين استفحل خطرهم، وكان شيخ الإسلام قائمًا على هذا الثغر خير قيام، غيرَ أنه عندما دَهَمَ التترُ أرضَ المسلمين حوّل ثغره، وأفتى فتاواه الشهيرة في دفع الصائل على الدين والعرض، فليتهم اتخذوه قدوةً رحمه الله وهداهم.
أسأل الله أن يهدي ضالَّ المسلمين، وأن يوفق الأمة للإفاقة من الغمّة، وأن ينزع من قلوبنا حُبَّ الدنيا وكراهية الموت، وأن يدلنا على الخير ويوفقنا لسلوكه، وأن يبصرنا بالشر ويوفقنا لاجتنابه، وأن يكفينا شرّ الفتن ما ظهر منها وما بطن.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
[عن مجلة صوت الجهاد > العدد العاشر]
[1] ولا أقصد هنا - وفي ثنايا هذه الورقات أيضًا - التنقص بإطلاق كلمة العوام، بل لعل العامي أفضل من كثير من العلماء الذين زلت بهم أقدامهم، نسأل الله الثبات.
[2] نحن نرى أن الجهاد هو القتال، هذا إذا أطلق، وقد اتفق الأئمة الأربعة على أن الجهاد إذا أطلق فهو القتال، ولكننا لا نحصره به، وفي نفس الوقت نحن نعيب على من يحصر الجهاد في كل الأبواب ما عدا القتال بحجة أن العهد مكي!!
[3] فعلًا، ربما الأمة تحتاجهم في بيوتهم لكي يستقبلوا فريدمان الصحفي اليهودي الأمريكي المتعصب، ويتعهدوا له بأن يكون مشروعهم القادم منع أحداث مثل أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وفي المقابل يتعهد لهم فريدمان بإفساح المجال لأفكارهم المعتدلة، ولو كان نصرانيًا لربما يهون الأمر - وهو جلل - ولكنه يهودي أمريكي متعصب.