[الكاتب: يحيى بن علي الغامدي]
إن مما يحزن القلب ويدميه في هذه الأيام العصيبة التي كاد الإسلام أن يصطلم فيها ما نرى من تناقضات وتخبطات دعاة الصحوة في أيام الجميع فيها بحاجة إلى تظافر الجهود لنصرة دين الله والوقوف في وجه الظالمين.
فالأمة في هذه الأحداث هي أحوج ما تكون إلى اتحاد الكلمة، ونبذ الفرقة والخلاف، ومواجهة أعداء الله سبحانه وتعالى الذين أفسدوا في الأرض أيما فساد.
إن المجاهدين الذين على الثغور قد جعلهم الله سبحانه وتعالى شوكة في نحور الأعداء، وخنجرا مغروسا في خاصرة الطاغوت الأكبر: هبل العصر وأذنابها.
وهؤلاء الدعاة الذين لم يشرفهم الله سبحانه بتنسم غبار مثل غبار (قندهار) أو (كابل) أو (جروزني) أو (الخليل) ، ولم يصطفهم لكي يكونوا من حملة الرسالة على شفار السنان يجب عليهم في هذه الأيام على أقل الأحوال أن يكونوا ردء وسندا لإخوانهم من المجاهدين الصادقين فيدعمونهم بالمال والكلمة والدعاء وكل وسائل النصرة المتاحة والتي أصبحت حيلة من فرض عليه حكم الطغاة.
وهذا الأمر من المتقرر شرعيا وتاريخيا، فقد قال الله سبحانه وتعالى (وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر) وهذه الآية نزلت في نصرة من لم يهاجر من الأعراب إذا استعانوا بنا على قتال يقاتلونه - كما ذكر ذلك ابن كثير والقرطبي - فما بالكم إذا استعانوا بنا لدفع عدو قد داهمهم؟
والأدلة الشرعية كثيرة على نصرة المسلم أخاه المسلم ودفع الظلم عنه حتى ولو كان هذا الظلم الواقع عليه كلاما بله أن يكون قتلا وهتكا للأعراض!!
جاء في الحديث:"ما من امرئ يخذل امرءا مسلما في موطن ينتقص فيه عرضه، وينتهك فيه من حرمته إلا خذله الله تعالى في موطن يحب فيه نصرته، وما من أحد ينصر مسلما في موطن ينتقص فيه من عرضه، وينتهك فيه من حرمته، إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته".
وجاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق، أو بدابق، فيخرج إليهم جيش من المدينة، من خيار أهل الأرض يومئذ، فإذا تصافوا، قالت الروم، خلوا بيننا وبين الذين سبوا منا نقاتلهم، فيقول المسلمون: لا، والله لا نخلي بينكم وبين إخواننا فيقاتلونهم فينهزم ثلث لا يتوب الله عليهم أبدا، ويقتل ثلثهم، أفضل الشهداء عند الله، ويفتتح الثلث، لا يفتنون أبدا ... ) .
قال تعالى {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض} ، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بنصرة المظلوم جاء هذا في الصحيحين من حديث البراء رضي الله عنه، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (انصر أخاك ظالما أو مظلوما) رواه البخاري ومسلم، وقال النبي صلى الله عليه وسلم (المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة) الحديث متفق عليه من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.
حدث سعيد بن عامر الجمحي رضي الله عنه - عندما سأله عمر رضي الله عنه عن سر غشية تصيبه فتغيب وعيه - فقال: شهدت مصرع خبيب بن عدي وأنا مشرك بمكة، وقد قطعت قريش أوصاله وهي تقول له: أتحب أن محمدا مكانك؟ فقال: والله ما أحب أن أكون آمنا في أهلي وولدي وأن محمدا صلى الله عليه وسلم يشاك بشوكة، وإني والله ما ذكرت ذلك اليوم وكيف أني تركت نصرته إلا ظننت أن الله لا يغفر لي، وأصابتني تلك الغشية!
سبحان الله، هذه هي القلوب الحية التي تحترق لأجل الله ولأجل الأخوة في الله، لا قلوب من إذا رأوا الطائرات تنطلق من بلادهم وتقطع أوصال إخوانهم لووا رؤوسهم وقالوا: سندافع عنهم بإقامة التحالفات مع ليندون لاروش!
وعبر سفر التاريخ لم يعهد المجاهدون في سبيل الله الذين انطلقوا لفتح البقاع ليعلو الإيمان بالله والتصديق برسوله منائر الكون إلا كل أنواع النصرة من بقية المسلمين، والأمثلة على ذلك كثيرة وظاهرة لذي عينين.
ما الذي دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قتال اليهود وطردهم مع أنهم لم يزيدوا على السخرية والعبث بامرأة من الأنصار ولم ينتهكوا عرضها أمام محارمها يا دعاة الصحوة؟
أين منا مواقف عمر و أبي عبيدة ومعاوية وهارون الرشيد؟
أين منا جيش وجهه أمير المؤمنين المعتصم بالله وقاده بنفسه لنصرة امرأة ضعيفة قصارى مافعله العلج بها أن لطمها (ولم ينتهك عرضها كما يحدث اليوم يا رجال!!) ؟
بالله لو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أبا بكر أو عمر أتى في زمننا هذا فأفهمناه بأن هذا جهاز تلفاز وأنه تعرض فيه الصور الحية ثم أريناه ما حدث في فلسطين والشيشان والبوسنة وأفغانستان وأندونيسيا - فقط - وأخبرناه أن هؤلاء قتلوا لأجل أنهم يقولون لا إله إلا الله، بالله عليكم يا دعاة الصحوة - بناء على معرفتكم بنبيكم من خلال سيرته وأحاديثه - أكان سيقول: المسألة فيها نظر، وربما ندفع عنهم هذا العدوان ببعض التعاقدات مع بني النضير وبعض نصارى نجران ممن لا يتفقون مع اليمين المتطرف؟!! أو ربما نتواصل مع بعض المحامين من اليهود والنصارى لرفع قضايا على بوش وبلير كما أراد كبيركم؟؟! يالله للمسلمين!! أين عقولكم ياقوم؟ والله إنها فتنة لم يثبت فيها إلا من ثبته الله، أين النصرة يا عباد الله؟
إن هذا الأمر - أمر النصرة - قد أصبح من الأمور التي لا يختلف حولها عاقلان ولا تنتطح فيها عنزان، ومع ذلك ما زال دعاة الصحوة يقيدون الشعوب بقيد الخونة من بائعي الدين والأرض فيمنعون الناس من نصرة إخوانهم، وذلك لأنهم يعلمون أن هؤلاء لن ينصروا إخوانهم إلا إذا أزالوا عروش الطغاة عملاء أعداء الأمة، وبالتالي فستتم إزالة كل مظاهر الدعة والنعيم والترف الذي يعيشون فيه .. ولكن نقول لهم (وإن تولوا فاعلموا أن الله مولاكم نعم المولى ونعم النصير) ، وأود أن أنبه هنا أنني هنا لست في معرض الرد التفصيلي على الشبه التي تقدم بها دعاة الصحوة فقد كفيت في ذلك، ولكنها محاولة لفهم كيف تغير المشايخ وما هي أسباب ذلك؟ وما هو حجم التضليل الذي يمارسونه على عوام الأمة ولا حول ولا قوة إلا بالله، مع أن العوام كانوا أحسن حالا من هؤلاء الدعاة، فهؤلاء الدعاة ما انفكوا يعقدون أمر هذا الدين و يطلسمونه في أذهان الناس لكي لا يتمكن من الفتيا واتخاذ المواقف غيرهم!! ونسوا أو تناسوا أن هذا الدين قد أتى للراعي في بريته وللعالم المتصدر فوق دسته وللمرأة في بيتها وللزارع في حقله، وأن شريعة الله واضحة رائعة كالشمس في رابعة النهار، فترى بعضهم يؤزه الشيطان أزا فيتجاهل كبار علماء العالم الإسلامي لمجرد أنهم ليسوا من هذا البلد.
ولعل من المناسب هنا في بيان حالة الدعاة مع بقية الأمة في هذه الأحداث العصيبة أن ننقل هذا الفصل المختصر من كتاب (النكسة التاريخية) للشيخ ذياب الغامدي حفظه الله:
"النكسة الثالثة: اتفاق العوام، واختلاف العلماء!"
لقد بات من الضرورات العقلية، والمسلمات الدينية، والأعراف الوضعية: أن العلماء أيا كانوا (مسلمين أو كافرين) هم للإجتماع والائتلاف أقرب منهم من العامة الجهلاء في الجملة، وهذا أمر لا يحتاج إلى تدليل أو توضيح.
فإذا علم هذا؛ فلنا أن نفصح عن نكسة تاريخية ما لها سابقة، قد مرت بها الأمة الإسلامية مر السحاب، حاملة في جنباتها فوضى فكرية، وفتاوى ارتجالية، وأقوالا عصية، وهو ما حدث في هذه الأيام من مواقف متباينة متناقضة، لا صلة بينها إلا الاستنكار والإنكار، وهو ما كان بين بعض علماء المسلمين وبين عامتهم، وذلك في تصور الواقع، وبيان الحق، فإن كان مثل هذا قد يقع شرعا وطبعا؛ إلا أن المصيبة كل المصيبة إذا علمنا أمرين منكرين:
الأول منهما: أن الحق المتنازع عنده في هذه القضايا المصيرية التي تمر بالأمة هذه الأيام كان حليف العامة من المسلمين، ولا يهولنك هذا؛ فإنه لم يكن من بسطة علم عند العامة؛ بل كان هذا منهم بدافع: أن الخلاف هنا كان واقعا في أمور معلومة من الدين بالضرورة، مما لا تحتاج إلى كبير علم، وهذا ثانيهما، ومثال ذلك ما يلي:
1 -لقد اجتمعت قلوب العامة على تكفير كل من والى وناصر الكفار (إمريكا وحلفاءها) ضد إخوانهم المسلمين في أفغانستان، والعراق وغيرهما، في حين اختلفت كلمة العلماء في هذه المسألة ما بين مخالف وخائف!
2 -لقد شفيت صدور العامة عند تحطيم برجي نيويورك في إمريكا، وتمريغ كبريائها في التراب، في حين ضاقت صدور بعض العلماء؛ بل وصل الحال عند بعضهم أن قال: لا يجوز الفرح والتشفي لما حصل في بلاد أمريكا التي كانت رأسا في كل حرب ضد المسلمين!، علما أن الفرح بتحطيم وتمريغ أنف إمريكا كان محل اتفاق بين البشرية (مسلمهم وكافرهم) !
3 -لقد اجتمعت قلوب وصفوف العامة على اللعن والدعاء على أهل الكفر؛ لاسيما إمريكا وحلفائها، في حين اختلفت فتاوى العلماء فيها!
4 -لقد اجتمعت قلوب وجهود العامة على مقاطعة بضائع أهل الكفر؛ لاسيما بضائع إمريكا وحلفائها، في حين اختلفت فتاوى ومواقف العلماء فيها!، في غير ذلك من منظومة النكسات التاريخية التي تمر بها الأمة الإسلامية هذه الأيام الحرجة.
فالعامة في هذه المواقف كانوا أكبر عقلا، وأثبت موقفا، وأعلم حكما؛ كما أنهم كانوا مؤتلفين مجتمعين وقتئذ، في حين اضطربت مواقف وفتاوى بعض علماء زماننا (للأسف) ، كما افترقت كلمتهم شذر مذر!، وما ذاك (والله أعلم) إلا أن القوم قد خنقتهم الضغوط السياسية، واحتوشتهم المناصب الدنيوية!، إنها والله النكسة التاريخية، فهل لهذه القاصمة من عاصمة؟!"ا. ه"
وبعد ..
فإن الكثير من الإخوة يعتب علينا ويقول: لماذا تنشغلون بالرد على فلان وفلان، ألم يكن الأولى أن تنتبهوا إلى جهادكم وتقاوموا عدوكم؟ ما عهدنا المجاهدين إلا في الصفوف لا في المنتديات ... في جملة اتهامات باردة، وإليك أيها المبارك نقضها وفل حدها بحول الله وقوته:
1 -لم يكون للقاعدين الحق في أن يوجهوا الاتهامات إلى معاشر المجاهدين بأنهم متسرعون متهورون لا يقدرون العلم والعلماء يفتئتون على الأمة إلخ ... ثم لا يكون للمجاهدين الحق في الرد؟! هذا عجيب جدا.
2 -من يقول إنكم لو كنتم من المجاهدين لا نشغلتم بجهادكم ولم تجدوا الوقت للرد والكتابة، فأقول له: هذا جهل عظيم منك هداك الله، وهو يخالف ما عرفناه من سيرة حبيبنا وقدوتنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي كان مجاهدا عالما مفندا لشبه المخذلين والمرجفين في المدينة، ولكن مشكلة هؤلاء القوم أنهم لم يجربوا الجهاد في سبيل الله، فهم يتصورون أن العبد إذا ذهب للجهاد في سبيل الله فإنه كالراهب في صومعة لا يعيش مع الناس ولا يعيشون معه، ونسي أن الجهاد حركة بشرية تسعى لتحكيم الشريعة وعليه فيجب أن تواجه هذه الحركة المخذلين والمرجفين الذين يصدون الناس عن اللحاق بكتيبة الله، والإغلاظ على المخذلين وفضحهم أمر شرعي وارد في الكتاب والسنة، فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا.
وأخيرا:
فليعلم الجميع أن كلامي هذا ليس موجها لكل شيخ أو عالم أو داعية اتقى الله سبحانه وكف عن المسلمين وعن المجاهدين غوائل نفسه ودخلها، لأننا نعلم يقينا أن هناك منهم من ألجمه الخوف إلجاما - مع وجوب التبيين والبلاغ في هذه الظروف الحرجة - وهناك من آثر اعتزال هذه الأحداث وعدم الميل مع هؤلاء أو هؤلاء، فهؤلاء ليسوا معذورين، ولم أكن أقصدهم بالكلام الذي ورد في ثنايا هذه الوريقات، وأرجو الله سبحانه وتعالى أن يوفقني لإبراز بعض جوانب هذه المعضلة، سائلا إياه أن يفتح بيننا وبين قومنا بالحق وهو خير الفاتحين ...
أنت ربي في تصاريفك خير الحاكمين
أنت بي أعلم مني أنت خير الأكرمين
أنت أولى بي مني فأعني يا معين
[عن مجلة صوت الجهاد > العدد الخامس]