الصفحة 2 من 44

يسمح بالعنف ولا يمارسه ويريد إحياء الخلافة ويفضل الانقلابات العسكرية

قالت مصادر أمنية إن النائب العام في مصر أمر باستمرار حبس 54 رجلا - بينهم أربعة بريطانيين - ألقي القبض عليهم هذا الشهر للاشتباه في أن لهم صلات بجماعة إسلامية محظورة. ووجه الادعاء إليهم تهم"الانضمام إلى جماعة سرية غير مشروعة هدفها تعطيل أحكام القانون وتقويض مؤسسات الدولة وحيازة مطبوعات تدعو إلى هذا". والمقبوض عليهم ينتمون إلى جماعة تطلق على نفسها"حزب التحرير الإسلامي", وقد اعتادوا حسب المصدر الأمني"عقد اجتماعات لتدارس الأوضاع في الدول العربية والإسلامية , ومسألة إحياء الخلافة الإسلامية والسبيل لعمل انقلابات في عدد من الدول الإسلامية". والمقبوض عليهم، وبينهم أربعة بريطانيين، تم اعتقالهم خلال الأسابيع الثلاثة الماضية في القاهرة والجيزة والإسكندرية. وتعد هذه أول مرة يتم فيها القبض على أعضاء من حزب التحرير في مصر منذ عام 1984 عندما أعلن عن تقديم 32 شخصًا من المنتمين إلى حزب التحرير إلى المحاكمة في مصر وقد ذكر آنذاك أن كلا من: عبد الغني جابر سليمان (مهندس) وصلاح الدين محمد حسن (دكتوراه في الكيمياء) ويقيمان في النمسا، و كمال أبو لحية (فلسطيني حاصل على دكتوراه في الإلكترونيات) وكان مقيما في ألمانيا الاتحادية آنذاك، وعلاء الدين عبد الوهاب حجاج (بجامعة القاهرة) هم زعماء الحزب ووجهت إليهم تهمة العمل على قلب نظام الحكم.

البدايات

حزب التحرير أسسه الشيخ تقي الدين النبهاني (1908 - 1977م) وهو فلسطيني من مواليد قرية إجزم بقضاء حيفا والتحق بالأزهر الشريف ثم كلية دار العلوم بالقاهرة، وعاد ليعمل مدرسًا فقاضيًا في عدد من مدن فلسطين. وإثر نكبة 1948 غادر النبهاني وطنه ومعه أسرته إلى بيروت، وعندما عاد لفلسطين عين عضوًا في محكمة الاستئناف الشرعية في بيت المقدس ثم مدرسًا في الكلية الإسلامية في عمان. وفي عام 1952 أسس حزبه وتفرغ لرئاسته ولإصدار الكتب والنشرات التي تعد في مجموعها الإطار الثقافي الرئيس للحزب، وكانت للحزب صحيفة أسبوعية تصدر في الأردن اسمها الراية، ثم صودرت وأعقبها صدور الحضارة في بيروت وقد توقفت أيضًا. وقد تنقل النبهاني بين الأردن وسوريا ولبنان إلى أن كانت وفاته في بيروت.

وكانت للمؤسس أفكار قومية إذ أصدر سنة 1950م كتابًا بعنوان"رسالة العرب"وانعكس هذا على ترتيب أولويات إقامة الدولة الإسلامية في فكره إذ كان يرى أن تنشأ في البلدان العربية أولًا ثم الإسلامية، كما كان النبهاني في بداية أمره على صلة بالإخوان المسلمين في الأردن فكان يلقي محاضرته في لقاءاتهم، ويثني على دعوتهم وعلى مؤسسها الشيخ حسن البنا لكنه ما لبث أن أعلن قيام حزبه مستقلًا فيه تأسيسًا وتنظيرًا، وقد ناشده الكثيرون العدول عن هذه الدعوة ومنهم الأستاذ سيد قطب الذي زاره في القدس عام 1953 فناقشه كثيرًا ودعاه إلى توحيد الجهود لكنه أصر على موقفه. وكانت حجته دائمًا ردًا على المطالبين بتوحيد الحركات الإسلامية، أن الاختلاف هو الأصل في فهم النصوص الظنية الدلالة في الإسلام وأن الوحدة التي فرضها الإسلام هي الوحدة السياسية في كيان واحد وليست الوحدة في الرأي. بعد وفاة النبهاني، ترأس الحزب عبد القديم زلوم وهو من مواليد مدينة الخليل بفلسطين، وهو عالم من خريجي الأزهر.

بناء الجسور والانتشار

ويحكي الشيخ يوسف القرضاوي في مذكراته أنه سافر في الخمسينات لتوثيق العلاقات مع الإخوان في منطقة الشام فالتقى في مدينة الخليل أعضاء من حزب التحرير وناقشهم في بعض القضايا ومنها قضية أثاروها ضد الإخوان، هي أنهم يشغلون أنفسهم بأعمال هي من صميم أعمال الدولة الإسلامية، مثل الأعمال الخيرية والاجتماعية كإنشاء المستوصفات والمستشفيات، ودور الأيتام، وأقسام البر والخدمة الاجتماعية، وكان أعضاء حزب التحرير يرون هذا تخديرا للناس عن المطالبة بإقامة الدولة وتنصيب الخليفة، وشغل للناس بالعمل الخيري عن الدعوة. وقد خرج الحزب من موطن تأسيسه لينتشر عربيا فبناء على طلب أربعة لبنانيين تأسس فرع للحزب في لبنان، كما كان له فرع في الأردن تولاه فلسطيني من قلقيلية هو الشيخ أحمد الداعور وهو عالم من خريجي الأزهر، ألقي عليه القبض عام 1969م إثر محاولة الحزب الاستيلاء على الحكم، وحكم عليه بالإعدام ثم ألغي الحكم. ومن مشاهير جيل المؤسسين أيضا الشيخ عبد العزيز البدري من علماء بغداد وهو داعية إسلامي مشهور قتله حزب البعث، وعبد الرحمن المالكي وهو محام له كتابان يعدان من أدبيات الحزب هما"السياسة الاقتصادية المثلى"و"نظام العقوبات"، وعبده غانم المقيم في عمان حاليًا، وكان منهم الأستاذ أسعد بيوض التميمي خطيب المسجد الأقصى، وقد تخلى عن حزب التحرير بعد ذلك. وقد ركز الحزب نشاطه في البداية على الأردن وسوريا ولبنان ثم امتد نشاطه إلى مختلف البلدان الإسلامية وأخيرًا وصل نشاطه إلى آسيا الوسطى وبخاصة أوزبكستان وباكستان، و الولايات المتحدة، وأوروبا وبخاصة بريطانيا والنمسا وألمانيا.

في أواخر الستينات عرفت ليبيا حركة نشطة لأعداد من الشباب الليبي الذين انخرطوا في حزب التحرير الإسلامي. وكان معظمهم من طلاب المدارس الثانوية، ومن طلاب الجامعة. واتخذ الحزب من المنشور السياسي أداة رئيسية لإثبات حضوره، وكان عادة يوزع عن طريق البريد، أو من شخص لشخص، وقد برز حجم واسم حزب التحرير إثر اعتقالات مشهورة التي جرت في ليبيا في إبريل 1973، بعد خطاب ألقاه العقيد القذافي في زوارة. واتخذ شباب التحرير موقفًا متصلبًا ضد الانقلاب العسكري وسياساته وشعاراته، وصدرت ضد عدد من قياداته عقوبة الإعدام. وما يزال عدد قليل منهم في السجن. ونظرًا لحداثة نشوء الحزب في ليبيا فلم يتمكن من تكوين قاعدة تذكر.

وحسب الباحث الفرنسي المتخصص بالحركات الإسلامية فرانسوا بورجا فإن لحزب التحرير وجود في تونس و بين عامي 1982، وهو التاريخ الذي يرجح أن الحركة نشأت فيه وعام 1987 عندما وقع انقلاب زين العابدين بن علي صدرت ثلاث مجموعات من الأحكام ضد الإسلاميين، الأولى في مارس عام 1985، وفي العام نفسه تم القبض على أعضاء من حزب التحرير وفي العام نفسه أيضا صدرت بحقهم أحكام بالسجن عامين للمدنيين وثماني سنوات للعسكريين. وفي سوريا أفرج في نوفمبر 2001 عن أعضاء حزب التحرير الإسلامي في سورية ممن شملتهم حملة اعتقالات قبل نحو عامين، والقسم الأكبر منهم أُطلق سراحهم بناء على عفو رئاسي، وبلغ عددهم 200 شخص من أصل 300 معتقل. كما أُطلق مؤخرًا سراح 68 معتقلًا من الحزب ضمن 113 معتقلًا، ويبقى بذلك قادة الحزب (السري) معتقلين فقط، باعتبارهم قيد المحاكمة.

رأي الحزب حكم الله!!

ويحكم حركة الحزب سياج تنظيمي حديدي ويشترط لاستمرار بقاء العضو في داخله أن لا يقول قولًا ولا يتخذ موقفًا يخالف موقف الحزب، وإذا تبنّى العضو قولًا غير قول الحزب فإنه مهدد باتّخاذ الموقف المناسب منه وهو الطرد، وقد جاء في إحدى نشراته:"أما الحزب فإن تبنّيه يجبر كل حزبيّ على تبني ما تبنّاه، والعمل بما تبناه في الظاهر والباطن، لأن الحزبي يتبنى ما تبناه الحزب، فصار ما تبناه الحزب هو وحده حكم الله في حقّه فله وحده يجب أن يدعو، وبه وحده يجب أن يعمل". وفي نشرةٍ أخرى تحمل عنوان أجوبة أسئلة:"فلا يصحّ لأيّ شابٍّ أن يؤلّف كتابًا أو يصدر صحيفة أو يكتب مقالًا أو يناقش أحدًا مجرَّد مناقشة بأي رأيٍ يخالف آراء الحزب فإن كلّ شابٍّ تبنى آراء الحزب تبنيًا، فلا يحل له أن يخالفها لا فكرًا ولا قولًا ولا عملًا، وإذا صدر منه شيء من ذلك يعالج ثمّ ينذر ثمّ يُتّخَذ بحقّه الإجراء المقتضى".

وسبب ذلك"أن المشاهد المحسوس أن الشاب الذي يخالف أفكار الحزب سواء المتبناة أو غيرها يبدأ في الضمور ثم ينتهي به ذلك إلى السقوط". أما الفرق بين المتبنّى وغير المتبنى فهو حسب نشرةٍ بتاريخ 4/ 7/1970:"أن"الكتب المتبنّاة هي التي كتب عليها (من منشورات حزب التحرير) وهي الكتب التي تدرّس في الحلقات مثل"المفاهيم والشخصية ونظام الحكم"وغيرها، أمّا باقي الكتب التي لا تحمل هذه العبارة فغير متبناة وإنّما هي عبارةٌ عن أبحاث مهمّة وضعت بين يدي الشباب والناس، لتثقيفهم وإعانتهم على فهم هذه الموضوعات"."

والحزب ينبّه أن لا فرق بين القيادة والقاعدة، فيقول في نشرة بتاريخ 7/ 5/1971 تحت عنوان جواب سؤال:"يجب أن يكون معلومًا بيقين أن قيادة الحزب لا تزيد في مقدّراتها عن شباب الحزب، ولا يوجد شيء مهما قلّ يجعل لديها ما ليس لدى شباب الحزب من قدرة ومعرفة وغير ذلك، فمثلها مثل أي شاب وأما ما يلاحظ من أعمال وأفكار فإنه نتيجة ما أعطيت من صلاحيّات، وليست نتيجة مجهود شخصي أو تميز استعدادي، بل هي فقط نتيجة صلاحياتها المعطاة لها ليس غير ..."للحزب دستور مؤلف من 187 مادة معدة للدولة الإسلامية المتوقعة، وقد شرح هذا الدستور شرحًا مفصلًا، ورغم أنه لم يطبق تطبيقًا فعليًا فقد وجه إليه النقد بأنه لا يفي بتصور واحتياجات دولة الإسلام المعاصرة. ويسمي الحزب الأقطار التي يعمل فيها باسم الولايات ويقود التنظيم في كل ولاية لجنة خاصة به تسمى لجنة الولاية وتتشكل من 3 - 10 أعضاء.

صوم رجل الفضاء!!

ورغم تأكيد الحزب أن نشاطه سياسي وحسب وأن رجاله لا يجوز أن يتحولوا إلى مفتين حتى لا يضل الحزب الطريق إلى أهدافه صدر عن الحزب فتاوى شديدة الغرابة، ليس فقط لتعارضها مع آيات قرآنية محكمة وأمور معلومة من الدين بالضرورة بل لأن بعضها إجابة عن أسئلة شديدة الغرابة وقد ألزم أتباعه بتبني هذه الأحكام والعمل على نشرها، ومن ذلك:

إباحة النظر إلى الصور العارية.

إباحة تقبيل المرأة الأجنبية بشهوة وبغير شهوة.

جواز أن تلبس المرأة (الشعر المستعار) الباروكة والبنطلون وأنها لا تكون ناشزة إذا لم تطع زوجها في التخلي عن ذلك.

جواز أن يكون القائد في الدولة المسلمة كافرًا.

جواز أن تدفع دولة مسلمة الجزية لدولة الكافرة.

جواز القتال تحت راية شخص عميل تنفيذًا لخطة دولة كافرة مادام القتال قتالًا للكفار.

سقوط الصلاة عن رجل الفضاء المسلم!!

سقوط الصلاة والصوم عن سكان القطبين.

تفسيره ملكية الأرض بمعنى زراعتها ومن يهملها ولا يزرعها لمدة ثلاث سنوات تؤخذ منه وتعطى لغيره ولا يجوز تأخير الأرض للزراعة عندهم إطلاقًا.

قراءة في الأدبيات

جاء في التعريف بالحزب في آخر صفحة من كتاب"المفاهيم"ما نصّه:"حزب التحرير حزب سياسي مبدؤه الإسلام". وجاء فيه أيضا:"يجب أن تكون الكتلة التي تحمل الدعوة الإسلامية كتلة سياسية، ولا يجوز أن تكون كتلة روحية، ولا كتلة أخلاقية، ولا كتلة علمية، ولا كتلة تعليمية، ولا شيئًا من ذلك ولا ما يشبهه، بل يجب أن تكون كتلة سياسية، ومن هنا كان حزب التحرير - وهو حزب إسلامي - حزبًا سياسيًا، يشتغل بالسياسة، ويعمل لأنه يثقّف الأمة ثقافة إسلامية تبرز فيها الناحية السياسية". وجاء في كتاب"التكتل الحزبي"أن الحزب"يشرف على فكر المجتمع وحسه ليسيرهما في حركات تصاعديّة، ويحول بين المجتمع وبين الانتكاس في الفكر والحسّ، وهو مدرسة الأمة التي تثقّفها، وتخرجها وتدفعها إلى معترك الحياة العالمية".

وفي نشرة بتاريخ 7/ 8/1970 تحت عنوان"مفاهيم متبنّاة"يقول الحزب:"إن الحزب ليس من غايته أخذ الحكم، بل غايته استئناف الحياة الإسلامية، وحمل الدعوة الإسلامية، فإذا حصل استئناف الحياة الإسلامية فقد تحققت إحدى غايتيه". أما تعريف السياسة عنده فهي رعاية شؤون الناس بالأحكام الشرعية. والصراع الفكري هو نقد الأفكار بالأسلوب اللاذع. والكفاح السياسي هو نقد أعمال الحكام بالأسلوب اللاذع"."

الحماية لا الهداية

وفي مبالغة واضحة تصف النشرة نفسها احتمال تغيير هذه الأفكار قائلة"أي تغيير لهذه المفاهيم ضلال مبين وانحراف خطير". وحسب نشرة بتاريخ 26/ 6/1970 فإن"صورة حزب التحرير التي يحاول أن يجعلها تنطبع في أذهان الناس صورة القائد الواعي، صورة السياسي المبدع، صورة المفكّر الحصيف، صورة الحاكم العادل، فهو يهدف إلى قيادة الأمة للصّراع مع الشعوب والأمم، ويريد إنهاضها النهضة الصحيحة بالفكر المستنير، ويسعى لأخذ سلطانها ويرعى شؤونها ويتولّى أمرها"،"وإعطاء المسلمين عن حزب التحرير صورة المفتي يجعلها تصلي خلفه لا أن تنقاد له، ويجعلها تقصده للعلم لا للحماية ورعاية الشؤون، لذلك فإنا إذا أردنا أن نأخذ قيادة الأمة فلا بدّ أن تأخذ الأمة عنا صورة القائد، صورة السياسي، صورة الحاكم القوي، ولا سبيل إلى ذلك إلاّ إذا أعطيناها صورة حزب التحرير، لذلك كان من ألزم الواجبات أن تكون كلَّ صورة الحزبي لدى الأمة هي صورة الحزب، أن تكون شخصية كل حزبيّ عند الناس شخصيةً سياسيةً نضالية، تحاول أخذ قيادة الناس لخوض غمرات الكفاح"."ومن هنا تظهر فظاعة أن ينقلب الحزب إلى مفتى وأن يصبح شباب الحزب مفتين، فذلك الهلاك المحقّق لا للشباب فحسب ولا للحزب وحده، وإنّما للأمة التي يقودها الحزب، وللمبدأ الذي يحمله، إذ يحوله من وجهة نظرٍ في الحياة إلى معالجة فرديةٍ ليس غير. إن الحزب جرت محاولات ثلاث لفتنته (!!) عن حقيقته بجرّه عن السياسة إلى الدين والفقه".

وفي النهاية"حزب التحرير وهو حزب إسلامي من حيث مبدئه، ليس حزبًا إسلاميًا كالتكتّلات الإسلامية، فهو لا يعلّم الناس الإسلام ولا يدعو المسلمين للإسلام، ولا يعظ الناس بالإسلام، فالإسلام مبدؤه وليس عمله، والإسلام أساسه وليس صفته، فهو يتولّى السلطة حين يتاح له أن يتولاَّها ليرعى شؤون الناس فعلًا، ويحاسب السلطة في جميع الأحيان سواء أكان في الحكم أو خارج الحكم، فعمله كلّه محصورٌ بالسياسة، إمّا عمليًّا بمباشرتها وإمّا نظريًّا بمحاسبة الحكّام على أساس الإسلام".

طلب النصرة لا العنف

ويشكل موقف حزب التحرير من العنف واحد من التناقضات البارزة في فكره فقد جاء في إحدى نشراته"أن يُطلب من الحزب أن يشارك في الأعمال المسلّحة لأخذ الحكم طلبٌ مرفوض لأنّ الحزب كحزب لا يشارك في حمل السلاح لأخذ الحكم، لأنّه كحزب لا يقوم بالأعمال المادية، إن الحزب لا يطلب من غيره الآن أن يقوم بالأعمال المادية والأعمال المسلحة لأخذ الحكم، وإنّما يطلب ممّن لهم المنعة أن ينصُروه، أي أن يستعملوا قوّتهم ونفوذهم لنصرته سواءَ أكان ذلك بالأعمال المسلّحة أم بغيرها", و"طلب الحزب للنصرة ليس طلب فرد من غيره أن يقوم بأعمال مادّية لمساعدته، وهو لا يقوم بها، فليس طلب فردٍ من غيره أن يقاتلوا ليحموه وهو يتأخّر عن القتال وإنّما هو طلبٌ من كتلة من أهل المنعة والقوة أن ينصروها (أي الكتلة) وأن يُزيلوا الحواجز المادّية من طريقها (أي الكتلة) حتى تتسلّم الحكم"فهو يجيز العنف ولا يمارسه ويريد السلطة وينتظر من يحمله إليها!! وفكرة طلب النصرة هي التي أدت إلى استهداف حزب التحرير اختراق المؤسسات العسكرية في بلدان مختلفة لتقوم بانقلاب عسكري يحمله للسلطة!

ومراحل التغيير حسب فكر الحزب ثلاثة هي: مرحلة الصراع الفكري ثم الانقلاب الفكري بالتفاعل مع المجتمع عن طريق العمل الثقافي والسياسي. ثم مرحلة تسلم زمام الحكم تسلمًا كاملا ً ويكون عن طريق الأمة. و"في المرحلة الثالثة لا مفر من طلب النصرة من رئيس دولة، أو رئيس كتلة، أو قائد جماعة، أو زعيم قبيلة، أو من سفير، أو من شاكل ذلك. وقد حدد الحزب أولًا مدة ثلاثة عشر عامًا من تاريخ تأسيسه للوصول إلى الحكم، ثم مددها ثانيًا إلى ثلاثين عاما مراعاة للظروف والضغوط المختلفة، ولكن شيئًا من ذلك لم يحدث رغم مضي المدتين."

حزب التحرير والصراع العربي الصهيوني

في حوار أجرته معه الأيام البحرانية يضع القيادي الفلسطيني صخر حبش (أبو نزار) حزب التحرير في سياق حركات التحرير الفلسطينية فيقول:"منذ 1948 وحتى عام 1952 كان واضحًا جدًا أن حالة النكبة. لم تكن وقفًا على الفلسطينيين وحدهم بل تعدتها للواقع العربي برمته، إلى أن قامت الثورة في مصر. ووجود نظام قومي في بلد كمصر، أعطى نوعًا من الانطباع. في هذه الفترة ما بين 1948 - 1952 كانت هناك حالة فلسطينية تتوثب باتجاه فلسطين، وكانت ترى إمكانية فعل شيء لفلسطين، إما على أساس عمل فردي وانتقامي وإما على أساس جماعي وحزبي. فكان الفلسطينيون يتجهون نحو الأحزاب العربية القائمة. وكانت هنالك ثلاثة تيارات أساسية: التيار القومي، التيار الإسلامي، التيار الماركسي، وكان الحزب الشيوعي في حالة ضعف نتيجة انقسامه حول موضوع التقسيم، لذا، تمكن حزب البعث العربي الاشتراكي استقطاب عدد كبير من أبناء الشعب الفلسطيني، وكذلك الحزب القومي السوري الاجتماعي، استقطب عددًا كبيرًا من الفلسطينيين. وكانت هنالك حركة الإخوان المسلمين، التي كان لها دور رئيس في الدفاع عن قطاع غزة والقتال إلى جانب الفلسطينيين سواء عبر امتدادتها المصرية أومن خلال تنظيمها الفلسطيني، الأمر الذي ترك انطباعًا وأثرًا كبيرًا جدًا ليس فقط على مرحلة 1948، بل على مستقبل حركة فتح، على اعتبار أن الكفاح المسلح، له دور أساسي في الصراع. وكلن هناك شعور فلسطيني، بأن هذين التيارين الإسلامي والقومي تياران شموليان، وكان المطلب الفلسطيني، إيجاد تنظيم يركز على القضية الوطنية الفلسطينية بعمق قومي وإسلامي لذا نشأ حزبان، أحدهما يقوم على أساس إسلامي، رأسه الشيخ تقي الدين النبهاني واسماه حزب التحرير الإسلامي، وكان هدفه تحرير فلسطين وكان يقوم على أساس أن الدولة الإسلامية هي الطريق الوحيد لتحرير فلسطين، ثم حركة القوميين العرب، وكان رئيسها الدكتور جورج حبش، بشعارها الأساسي دم وحديد ونار، وحدة، حرية، ثأر. كانت الحركة قومية، لكن الفكرة كانت وطنية فلسطينية. وبعد قيام الثورة في مصر 1952، اصبح اتجاه الوحدة اتجاهًا عامًا، إلى أن حصل العدوان الثلاثي على مصر."

وما يبدو أن الحزب تعرض لتغيرات عميقة بعد مؤسسه الشيخ تقي الدين النبهاني، ففضلا عن انقسامه إلى ثلاثة فصائل بدأ يركز بشكل كبير على هدف إحياء الخلافة قبل كل هدف آخر، وقد التقى كاتب هذه السطور في منتصف التسعينات بناشر لبناني يعد من كوادره النشطة وتناقشا في الصراع العربي الصهيوني فكان رأي الحزب كما عرضه أن اليهود لا يشكلون التحدي الأكبر فهم بنص القرآن لن يضرونا"إلا أذى"ولا تكون قوتهم"إلا بحبل من الله وحبل من الناس"وعليه فإن عودة الخلافة يعني بالضرورة زوال الكيان الصهيوني ربما دون حرب!! ولهذا الموقف صداه في الأدبيات التنظيمية للحزب منذ الستينات.

ففي نشرة بتاريخ 26/ 4/1964 جاء عن الصراع العربي الصهيوني ما يلي:"في الصراع القائم بين أمريكا وإنجلترا في الشّرق الأوسط يشترك عملاء كلتا الدولتين في هذا الصراع ويتّخذون الأداة لتنفيذ الخطط، ويعتبر عبد الناصر وحزب البعث وبن بلّة من أبرز عملاء أمريكا الذين لهم أدوار في هذا الصّراع، ويعتبر حزب الشعب (حزب سوري منحل) والحزب الوطني في سوريا، وسياسيّو لبنان إجمالًا حكّامًا وغير حكام، والملك حسين من أبرز عملاء إنجلترا الذين لهم أدوار في هذا الصراع". وفي النشرة يقرر أنّه لا خصومة بين أمريكا وروسيا في الشّرق الأوسط فقد وُزّعت الأدوار بينهما فـ"ممّا لا شكّ فيه أنّ من الاتفاقات التي جرت بين خروتشوف وكينيدي في حزيران 1961 في النّمسا إطلاق يد أمريكا في الشرق الأوسط والشرق الأقصى وأفريقيا واستعداد روسيا لمساندة أميركا ضدّ إنجلترا في أيّ عملٍ يحتاج إلى مساعدة".

وفي نشرةٍ بتاريخ 8/ 2/1969 يقول الحزب:"قبل 5 حزيران 1967 كان مفهومًا لدينا أنّ إسرائيل تعمل لمصلحتها، وأنّ سياستها ذاتيّة، وأنّها ترسم سياستها حسب مصلحتها، ولكن بعد 5 حزيران تبيّن لنا من معلومات كثيرة أنّ إسرائيل تسير مع الإنجليز، وأنّ حكّامها عملاءٌ مثل الحسين (ملك الأردن) سواء بسواء، وأن أكثريّتهم عملاء للإنجليز، وقد ظهر ذلك جليًّا في احتلالهم سيناء، وليست لهم أية مصلحة في ذلك، ثمّ في بقائهم يسيرون بتوجيهات الإنجليز حتى صار واضحًا مثل الشّمس لكلّ العالم أنّ أعمال إسرائيل أعمال إنجليز، وعليه فإنّه ظهر بعد5 حزيران أن حكام إسرائيل لا يتحركون حركة إلا بأمر الإنجليز".

الفدائيون عملاء

وإذا كان تصور الحزب للصراع العربي الصهيوني كما تعكسه أدبياته تصور طفولي لا شئ فيه سوى التفسيرات التآمرية الكاسحة فإن موقفه من العمل الفدائي والتنظيمات الفدائية شديد الغرابة ففي نشرة بتاريخ 23/ 4/1969 يقول الحزب:"إنّ الجهاد مع الفدائيين ليس بواجب لسببين. أحدهما: أنّها منظّمات خائنة وُجدت حسب مخطّط إنجليزي، ومن أجل تنفيذه، ومن أنشأوها وكثيرٌ من السائرين فيها من قادتها وغيرهم يعلمون ذلك، ولهذا لا يجب الجهاد معها، بل في هذه الحالة إذا علم المسلم بهذه الخيانة وصدّق به لا يجوز له أن يجاهد معهم لأنّه يقوم بتنفيذ مخطط إنجليزي، وفي منظمة أمست حسب خطط الإنجليز وهو يعلم ذلك. أما السبب الثاني: فهو أن جماعة الفدائيين ليس لهم أمير حتى يجب الجهاد معهم، وأميرهم لا يعتبر أميرًا عامًّا، لأنّ الأمير من ينصّب لرعاية الناس فهو الذي له صلاحية إدارة الجماعة، ولا ينطبق هذا على الفدائيين وعلى أميرهم، لذلك كان الجهاد مع الفدائيين غير واجب لأنه ليس هناك (أمير يجاهد تحت رايته الجهاد واجب عليكم مع كل أمير) ولكن هل يجوز الجهاد مع الفدائيين فرديًّا لمن لا يعلم أنّها منظماتٌ خائنة؟ فالجواب على ذلك أنه يجوز الجهاد مع الفدائيين لمن لا يعلم خيانتهم، لأن الجهاد الفردي جائز في حالة عدم توفّر شروط وجوب الجهاد، وأما الانخراط في الجيش مع الحكومة فإن الحكومة تعتبر جماعة لها أمير، ولذلك إذا وجب الجهاد فإن الجهاد يكون واجبًا في هذه الحالة لأن شرط الأمير قد تحقق". وفي نهاية الفتوى يقول:"وأمّا الانخراط في الجيش ومع الحكومة فإن الجهاد يكون واجبا في هذه الحالة"وهو يقصد الجيش الأردني والحكومة الأردنية، وهذا تخبط واضحٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت