فمن تلك النصوص:
ما رواه ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى قبل موته بثلاث: (أخرجوا المشركين من جزيرة العرب) [متفق عليه] .
وفي صحيح مسلم من طريق أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: أخبرني عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع فيها إلا مسلما) .
ومنها ما رواه الإمام أحمد في مسنده من طريق محمد بن إسحاق قال حدثني صالح بن كيسان عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن عائشة قالت: (كان آخر ما عهد به رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا يبقين بجزيرة العرب دينان) .
وروى البخاري ومسلم من حديث أبى هريرة رضي الله عنه قال: (بينما نحن في المسجد إذ خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: انطلقوا إلى يهود، فخرجنا معه حتى جئنا بيت المدراس، فقام النبي صلى الله عليه وسلم فنادى: يا معشر يهود: أسلموا تسلموا، فقالوا قد بلغت يا أبا القاسم، فقال: ذلك أريد، ثم قالها الثانية، فقالوا: قد بلغت يا أبا القاسم، ثم قالها في الثالثة فقال: اعلموا أن الأرض لله ورسوله وإني أريد أن أجليكم، فمن وجد منكم بماله شيئا فليبعه، وإلا فاعلموا أنما الأرض لله ورسوله) .
وهذه النصوص وغيرها مما لم أورده؛ تدل دلالة قاطعة على أنه لا يجوز لليهود والنصارى وغيرهم من الكفار أن يبقوا في جزيرة العرب، وهي - كما ترى - في مكان من حيث الصحة والصراحة ووضوح المعنى والأحكام، بحيث لا يمكن الطعن فيها بالتضعيف أو التأويل أو دعوى النسخ، وذلك أنها مخرجة في الصحيحين وبعضها في المسند وبعضها في السنن.
وقد اتفق العلماء على أن ما اتفق على إخراجه البخاري ومسلم رحمهما الله أنه يفيد العلم اليقيني، لأن الأمة تلقته بالقبول والتصديق فلا مجال للطعن فيما اتفق عليه البخاري ومسلم، أما عدم جواز تأويلها فذلك لأجل صراحة ألفاظها ووضوحها وكونها نصا في الموضوع لا يحتمل لفظها معنى غير المعنى الظاهر منها، وما كان كذلك فلا يصح تأويله عند علماء الأصول وغيرهم من العلماء, إنما الذي يجوز تأويله من النصوص هو الذي يكون لفظا محتملا لمعنيين فيرجح أحدهما لأجل قرينة تحف به.
أما كونها محكمة وغير قابلة للنسخ؛ فلأجل أن النبي عليه الصلاة والسلام أمر وأوصى بإخراجهم من جزيرة العرب في آخر حياته كما سبق عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان