الصفحة 2 من 30

مجازٌ نادرٌ في الاستعمال لا يُصار إليه إلاَّ أن تُرجِّحه على الحقيقة قرينةٌ، ولعل هذا هو مستند من فسَّر جزيرة العرب بأرض الحجاز وهو قولٌ باطلٌ عقلًا ونقلًا ولغةً وشرعًا على جلالةِ بعضِ من قال به.

واسم الجزيرة الوارد في الحديثِ وردَ على أرضٍ هي جزيرةٌ لا يعرف أكثر المخاطبين أو بعضهم جزيرةً غيرُها، وهي جزيرة العرب، وهذه الجزيرةُ هي أرضُ العربِ: قحطانيُّهم في اليمن منها، وقريشٌ وهوازن وغطفان ومن جاورهم من العرب وعامّتهم من مضر في الحجاز، وربيعةُ وتميمٌ في نجدٍ وهجر والبحرين وأطراف العراق، وليس في الجزيرة غيرهم.

وليس من العرب أحد خارج هذه الجزيرة إلاَّ شيئًا من ربيعة ومضر ممن دخل بلاد فارسٍ، ولم تكن ديارًا لهم، وبعض العرب ممن دخل الشام كالغساسنة من الأزدِ وهم قليلٌ في أكنافِ الرومِ.

فصحّ في هذه الجزيرة: أنَّه لا يسكنها غيرُ العرب، ولا يسكن العرب غيرَها؛ فهي جزيرةُ العربِ بالحسِّ والمشاهدةِ، وصحَّ أنَّ اسم الجزيرة مطابقٌ لها في اللسان، وأنَّ اسمها عند العرب جزيرة العرب في البلدانِ.

وأمَّا من قال إنَّ جزيرة العرب هي الحجاز، فقد استند إلى إبقاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعض المشركين في غير الحجاز كنصارى نجران، وبقايا يهود اليمن، فرأى أنَّ ذلك صارفٌ يصرف اسم الجزيرةِ إلى أرضِ الحجازِ وحدَها.

ولا يصحُّ هذا الاستدلال، فإن كان قد أُبقي بعض المشركين خارج الحجاز، فقد أُبقي بعض المشركين في الحجاز مدّةَ خلافةِ أبي بكرٍ، والجواب عن هذا يأتي بإذن الله، والحديث على ظاهره وعمومِه.

وإخراج المشركين من جزيرة العرب، أمرٌ من النبي صلى الله عليه وسلم لم يقيّده بوسيلةٍ من الوسائل، بل هو مطلقٌ والمقصود خروجُهُم من الجزيرة، ومعلومٌ أنَّ الكافر الواحد الذي لا شوكة له ولا منعةَ مُباح الدم في الأصل، يجوز قتلُه لأي غرضٍ ولو للتقرب إلى الله بدمِهِ تقربًا مجردًا عن المنفعة الدنيويَّة في قتلِه، فإن كان أمرٌ بإخراجه من جزيرة العرب كان قتله من امتثال ذلك الأمر، وإذا كان له شوكة ومنعة في بلاد المسلمين كان معتديًا عليها يجب قتاله وجوبًا وليس على الإباحةِ فحسبُ، فثبتَ أن إخراج المشركين بالقتال وسيلة مباحةٌ أو واجبةٌ، وهي من أنفع الوسائل لما يحصل بها من الردع للمشركين والتخويف لهم من دخول جزيرة العرب، وهذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت