فهرس الكتاب
نحن الآن نعيش فوق قنطرةٍ، أمامها الكثير من المفاوز والقفار، وخلفها الكثير من الفوائد والعبر، وبين يديها كتاب الله تعالى، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، فكيف علينا أن نطرح أنفسنا؟، وإذا طرحنا أنفسنا بصفتنا حركات جهاديّة سلفيّة، فما هي حقول وميادين عملنا؟ هل هي طوائف الردّة الممتنعة من قتالنا لهم فقط؟ أم أنّنا أمام أكوام من التراث المختلط، وواجبنا كذلك أن نحرّر إرادة الأمة من عوائق الشرك والجهل؟.
وعلى معنى آخر: هل طرح جماعات الجهاد السلفيّة لمواضيعها على صيغة شمولية أم في جزئية من الجزئيات؟.
الجواب ولا شك: إن الواجب علينا أن نعالج الدّين كله، نجدّده، وأن نعيد بهجته وضياءه على صورته الأولى وهو جديد أوّل مرة، وهذا يوجب علينا كذلك أن لا نغترّ بالجزئيات والفرعيّات، بل علينا أن نفهم آليّة فهم هذه الجزئيّات، وما هي أصولها، وما هو المنهج المتّبع حتى وصلت هذه الجزئيات والفرعيات.
إن موافقة بعض الطوائف لنا في مسألة من المسائل لا يعني أبدًا أن هذه الجماعة منّا، ونحن منها، وأنّ لها ما لنا، وعليها ما علينا. بل إنّ الجماعة التي هي نحن، وهي منّا، ونحن منها إنما هو بالنّظر إلى منهجها، وآلية فهمها لدين الله تعالى.
لقد مرّت على أمّتنا أطوارٌ كان قادة القتال والجهاد فيها هم أئمّةٌ فيهم جذورٌ بدعية شديدة، وقد مدحَتهم كتب الرّجال وما زال أثرهم الحسن يتردد على الشفاه والألسن، ولكن علينا ألا نغضّ الطّرف عن الجانب البدعي فيهم، وبراءتنا منه، وعدائنا له حتى نحفظ للحقائق وجودها، ولئلا تضيع خلال حمّى التشجيع والتأييد لهذه الطوائف.
والمثال يوضح المقال:
عندما نشأت الزَّندقة العجَميّة في المجتمعات الإسلامية، وأطلّت برأسها الخبيث، وبدأت تكشف عن نفسها دون خوف أو وجل، رأينا أن أقوى الرُّدود على هذه الزندقة كانت صادرةً من جهاتٍ مسلمة بدعيّة، وكان لردودهم في ذلك الطور أبلغ الأثر في إزالة آثار هذه الأفكار الإلحادية.
عندما كتب ابن الراوندي الزنديق الملحد، كتب ودعا إلى عدم الثقة بالشريعة، وذهب (لعنه الله) لضرب دين الله بعضه ببعض، حينئذٍ قام له رجل بدعي هو أبو علي الجبائي المعتزلي ففضح أمره، وكشف جهله، وردَّ كيده إلى نحره، مدح الناس هذا الصنيع لأبي علي الجبائي المعتزلي، لكن لم ينسوا بدعته، بل شنُّوا الغارات الشَّديدة عليه وعلى بدعته، فكان أمره وأمر الاعتزال إلى زوال.
لو افترضنا جدلًا أن الرّوافض الإثنى عشرية وقفوا وقفةً ما، وكان قدَرُ هذه الوقفة في خندق الحق والصواب، فهل يجوز لنا لهذا الموقف أن ننسى من هم الروافض؟ وأنّ دينهم لا يلتقي مع دين الإسلام في شيء؟، الجواب: لا، بل علينا أن نبقى نحن حيث نحن في تمسّكنا بالحقّ والسّنة، وعلينا أن لا نزيل الفوارق الحقيقيّة بين أهل السنّة والجماعة والرّوافض، بحيث نزعم أو نفتري أنّه لا فرق بين السنّي والرّافضيّ.
لقد فرح الصّحابة رضي الله عنهم، وكانوا يتمنّون أن ينتصر أهل الرّوم (أصحاب الكتاب) على أهل فارس (أهل الأوثان) ، وليس من جامع بين المسلمين الصّحابة ومن بعدهم وبين الرّوم النّصارى المشركين إلاّ الاسم الذي لا حقيقة له سوى الانتساب - أهل الكتاب -. لكن هل أجاز هذا التّمنّي لهم أو لغيرهم من المسلمين أن يقاتلوا تحت راية النّصارى جند أهل الكتاب؟. أبدًا بل إنّ دخول المسلمين تحت رايتهم تُخرجهم من الإسلام، وتخلع نسبتهم إلى الإسلام.
هذه قضايا يجب أن نعيها، وأن نهتمّ بها، لئلاّ نُزيل الحواجز الشّرعيّة التي أمر الله تعالى بإقامتها بين النّاس في جميع مستوياتهم القريبة والبعيدة عن الإسلام.
فإذا فهمنا هذا تمامَ الفهم حينها نخرج من المأزق، أو الزّاوية التي يحاول بعض العقلانيين (أهل الأهواء) أن يضعونا فيها فيجبرونا بين خيارين، أحلاهما كفر.