وجود جلال الدين قريبا منه شجع الشاب على النوم باطمئنان معتمدا على أن قائده يراقب أجواء السماء وسوف يوقظه في وقت الطوارئ، تبسم جلال الدين عندما نظر إلى الشاب النائم وقد وردت إلى ذهنه قصة أهل الكهف، فتمتم بالآية الكريمة (إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى) ، ثم نظر إلى الأسفل حيث منازل القرية على حافتي الوادي الضيق الأشبه بقبر جليدي ضخم فقد كل معالم الحياة، هوى جلال الدين شاردا في موجة من التأملات الغامضة إلى أن أيقظه صوت تهشم الجليد تحت خطوات بطيئة وثقيلة لقادم يلهث.
كان القادم هو الضابط"جولزراك"الرائد السابق في الجيش وابن نفس القبيلة"زدران"التي ينتمي إليها حقاني، نظر حقاني إلى الضابط الصلب ذو الأعين الزرقاء الحادة، والذي تقطعت أنفاسه فتكاثفت بخارا ونديف ثلج على رموش عينيه وشاربه الأنيق.
تبادل الرجلان التحية باقتضاب ينم عن حالة توتر وغليان عميق يصطرع بداخلهما لا يتناسب أبدا مع الموت الجليدي المحيط بالمكان. ثم جلسا متجاورين على جذع شجرة تهاوت في هذا المكان منذ القديم وكأن أحدا لم يجد فيها نفعا سوى أن تكون مجلسا يذكر بهدوء الأبدية وسكونها.
بدأ"جولزاراك"الحديث قائلا:
ـ"مولوي صاحب"هل أرسلت في طلبي؟؟.
ـ نعم يا"جولزاراك"عسى أن تكون قد سمعت إذاعة كابول هذا الصباح؟؟.
ـ نعم"مولوي صاحب".. لقد جاء الجيش الروسي.
ـ ماذا تظن أيها الرائد؟؟.
ـ أنت تعلم"مولوي صاحب"ماذا فعل الروس بمسلمي بخارى وسمرقند.
ـ وبماذا تنصح يا"جولزاراك"؟؟.
ـ أنا تلقيت تعليمي العسكري على أيديهم وأعرف كيف يفكرون، لن يبدأ نشاطهم الحقيقي في مناطقنا قبل ثلاثة أشهر مع بداية الربيع. وعلينا أن نتدبر أمورنا خلال هذه المدة.
ـ وكيف نتدبر أمورنا؟.
ـ لن نستطيع أن نصمد أكثر من ثلاثة أشهر، وفي غضون ستة أشهر على الأكثر سيمكنهم إخضاع البلاد كلها.
ـ هل ننسحب إذن؟؟.