الصفحة 12 من 35

في وسط غابة ملتفة من أشجار التوت والمشمش تيبست من البرد، تجمع حوالي ثلاثمائة شخص بكامل سلاحهم شبابا وكهولا، وطاعنون في السن أعاد لهيب الجهاد حرارة دماء الشباب في عروقهم فصاروا ينافسون الشباب في صفوف القتال الأولى.

الجميع جاء ليستمع إلى"جلال الدين"، الرجل الذي بدأوا معه الجهاد، وخاضوا معه الحرب بكل ثقلها ودمائها وشهدائها، وشاركوه في صنع النصر والأمجاد التي بعثت من جديد واقعا ساطعا مبهرا.

وقف"جلال الدين"أمام الجمع الذي يمثل علماء وشيوخ قبائل ومجاهدين وقادة مجموعات.

وقف العالم الشاب واضعا كفيه فوق فوهة بندقيته الإنجليزية القديمة المرتكزة على طبقة الجليد التي تفترش ساحة المكان، ظل صامتا لفترة من الزمن وهو شارد الذهن يتفرس وجوه الجالسين صفا بعد صف، وبدون وعى كان يبحث عن وجوه الزملاء القدامى الذين مضى أكثرهم شهيدا، فلم يجد منهم غير وجه واحد هو ذلك الوجه النحيل حزين النظرات للناسك العابد"مولوي أحمد جول".. إنه كل ما تبقى من إخوان البداية الأولى للجهاد.

كم كان يشتاق لرؤية الوجه الحبيب لصديق العمر الشيخ"محمود لالا". ذلك الوجه الذي يضفي السكينة والاطمئنان والثقة بالنصر في أشد أوقات المحن والشدائد.

أعاد النظر مرتين متفرسا في وجوه الرجال في الصف الأول يحدوه أمل غامض في أن يجده حيث كان يجلس دوما بجسده الضخم ونظراته الحادة المنطلقة كشهاب ثاقب من عينين عميقتين يجمعان بين الذكاء والطيبة، يظلهما حاجبان كثيفان مثل غابة تخفي ظلالها أسررا لانهاية لها، وبندقيته القديمة التي لا تكاد تغادر كفين لهما عنفوان وضخامة جبلية خشنة لا يستعصى عليهما خلع رقبة أي وحش برى وبكل سهولة.

استمر"جلال الدين"صامتا يجول بنظره بين الصفوف شاردا، حتى انتبه إلى أن الجمع أمامه في انتظار كلمته الحاسمة حتى تنير لهم الطريق في هذه الخطوب المدلهمة التي تنذر بأعظم الأخطار التي يهون أمامها كل ما سبق من أحداث.

بدأ خطبته بحمد الله تلاها بشرح موجز لما حل بأفغانستان منذ الانقلاب الشيوعي وصولا إلى الخبر المزلزل بوصول الجيش الروسي واحتلاله للعاصمة كابول ليلة الأمس، مذكرا بالمآسي التي تسبب فيها الروس للمسلمين في تركستان (آسيا الوسطى) ومجازره في الحواضر الإسلامية العظمى خاصة بخارى وسمرقند.

ثم أخذ يتلو عليهم من آيات القرآن الكريم التي تحض على الجهاد والقتال في سبيل الله وزجر المتخلفين والقاعدين عن أداء تلك الفريضة، وحدثهم عن درجة الشهداء في الجنة، ثم ذكرهم بكرامات إخوانهم الشهداء ومآثرهم، وكيف حمى الله بهم الإسلام والديار والأهل وألقى بهم الرعب في قلوب الكافرين، حتى صار للمسلمين هيبة عظيمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت