الصفحة 13 من 35

ثم ذكرهم بمعجزات كثيرة شاهدوها في أوقات الشدة، والنصر

الذي أنزله الله عليهم حين ظن الجميع أن الهزيمة والهلاك لامناص عنهما.

لم يكد العالم الشاب يترك شيئا يجب ذكره في ذلك الخصوص إلا وذكره وأكد عليه.

وفي الأخير اتجه إلى شجرة إلى يمينه وركن عليها بندقيته العتيقة التي عاصرت معه الانطلاقة الأولى في سبيل الله، ثم عاد إلى موضعه وخلع عمامته البيضاء الضخمة من فوق رأسه وأخذ يلفها ما بين إبطه الأيمن وكتفه الأيسر وهو يتلو تلك الآيات من كتاب الله:

{إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} التوبة 111

كان الرجال يعرفون تلك الآيات وما تعنيه جيدا، فقد شرحها لهم الشيخ مرارا وكررها العلماء على مسامعهم كثيرا.

أخذ الشيوخ ينتحبون، ورفعوا العمائم من فوق رؤوسهم ووضعوها على الأرض رافعين أكفهم إلى السماء يؤمنون على دعاء"جلال الدين"الذي ألح على الله باكيا طالبا النصر على الأعداء وحفظ الإسلام في هذه البلاد.

لم يجد الشباب حرجا في إظهار عواطفهم والبكاء في هذا الموضع تحديدا الذي يحظر على رجال الجبال أن تظهر دموعهم في غيره من المواضع.

توقف جلال الدين عن الكلام وأخذ الرجال يجففون دموعهم بينما عمائمهم مازالت مطروحة على الأرض.

غطى الصمت المكان، وكان صمتا بليغا في تعبيره عن مشاعر تعجز أي كلمات في الإفصاح عنها، طال وقت الصمت المطبق الذي لم يسبق له مثيل في أي اجتماع مماثل، وكأن الأفكار والكلمات كلها قد تجمدت بفعل رياح الشتاء القارص.

تجمعت فوق الرؤوس معاني التوتر الممزوج بالحماس مع غموض ما يحمله الغد من مفاجئات وآلام فراق شهداء قادمون سيلحقون بأحباء لهم ذهبوا بالأمس القريب.

ظل الصمت ثقيلا إلى أن قطعه بدوى بسيط تكلم فجأة بصوت مرتفع وبكل عفوية البدوي وشجاعته الفطرية، متوجها بالحديث إلى العالم الشاب قائلا:

ـ"جلال الدين".. لقد سمعت أن لدى الروس بنادق طويلة لها منظار يقرب الأشياء البعيدة ويمكن بها قتل رجل من مسيرة يوم، بالله عليك خبرني متى يصل الروس حتى أقتل أحدهم وآخذ منه بندقيته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت